بعد التوغل البري.. إسرائيل بين حلم التوسع بجنوب لبنان والسقوط في الفخ؟
منذ نشأة الحركة الصهيونية، تباينت الرؤى حول حدود "الدولة الإسرائيلية" بين تيار براجماتي يقبل بالحدود الدولية المعترف بها، وآخر أيديولوجي يستند إلى سرديات توراتية وتاريخية تتجاوزها.
ومع ذلك، ظل مفهوم "إسرائيل الكبرى" يتردد بين الحين والآخر، ليشهد عودة قوية بعد عام 2019 مع سيطرة اليمين على الحكم، حيث تحولت السردية التوراتية إلى رؤية مستقبلية.
في قلب هذا الحلم الاستيطاني يقع جنوب لبنان، الذي يُبرر أحيانا بـ"الحدود الآمنة" و"العمق الدفاعي"، وأحيانا أخرى بوصفه "أرضا تاريخية" تنتظر الظروف المناسبة للسيطرة عليها، وفق بعض القراءات التوراتية.
كيف بدأ الحلم؟
وفقا للباحث أسعد رزوق في كتابه "إسرائيل الكبرى" (صدر قبيل حرب 1967)، لا تقتصر المطامع التوسعية الإسرائيلية على الضفة الغربية وغزة والقدس، بل تمتد إلى أجزاء من لبنان وسوريا والأردن.
تعود جذور ذلك إلى اتفاقية سايكس بيكو (1916) ووعد بلفور (1917)، ثم إلى مطالب الحركة الصهيونية منذ 1919 بتحديد الحدود الشمالية عند نقطة تلتقي فيها صيدا بمصادر نهر الليطاني، مرورا بجسر القرعون وراشيا وحاصبيا وقمم جبل الشيخ، لضمان السيطرة على الموارد المائية.
أكد هذا التوجه تصريحات إسرائيلية عديدة، من بينها قول وزير الدفاع موشيه ديان بعد حرب 1967 إن "لبنان هو الفريسة التالية لإسرائيل".
وتكرر الفكرة لاحقا على لسان المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية ديفيد مينسر الذي اعتبر نهر الليطاني "الحدود الشمالية لإسرائيل"، ودعوة كبير حاخامي الحاسيديم إسحق غنزنبورغ إلى استيطان لبنان باعتباره جزءا من "الأرض الممنوحة".
من المنطقة العازلة إلى الاجتياحترجم هذا الحلم عمليا في احتلال 14 قرية جنوبية خلال "عملية حيرام" عام 1948، ثم توسع في "عملية الليطاني" عام 1978 التي كانت عسكرية المظهر ومائية الهدف.
وصف وزير الزراعة الإسرائيلي السابق أبراهام كاتس عوز خيار الاستيلاء على مياه الليطاني بأنه "الأفضل" لإسرائيل، إذ يمكن أن يزيد مواردها المائية بنسبة تصل إلى 50%.
تطورت العملية إلى اجتياح بيروت عام 1982، مما أتاح إقامة "منطقة عازلة" خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية والإدارة المحلية عبر "جيش لبنان الجنوبي".
خلال تلك الفترة، واجه السكان سياسة ممنهجة شملت استهداف المزارعين، منع حفر الآبار، وتفريغ القرى تدريجيا.
انسحبت إسرائيل عام 2000 تحت ضغط المقاومة، لكن الفكرة لم تختفِ من الاستراتيجية الإسرائيلية.
حرب 2023 - 2026.. إعادة إحياء الاستيطان
مع اندلاع حرب الإسناد على غزة عام 2023، عاد الحلم الاستيطاني إلى الواجهة عبر ربط "منع التهديد" بخلق عمق أمني داخل الأراضي اللبنانية، ورغم عدم إعلان الحكومة الإسرائيلية نية ضم صريح، حددت خطا أحمر يشترط إخلاء المنطقة جنوب الليطاني من أي وجود مقاوم.منذ 27 نوفمبر 2024، تراجعت إسرائيل عن الانسحاب الكامل، محتفظة بوجود عسكري في 5 مواقع استراتيجية، مع استهداف يومي لمنع إعادة الإعمار.
تعرضت القرى الحدودية لتوغلات، هدم منازل، تجريف أراض، وحرمان من الزراعة، وقد برزت في هذا السياق حركة "أوري تسافون" (Ori Tzafon) التي أطلقت مبادرات استيطانية، نشرت خرائط تتجاوز الخط الأزرق، ودعت إلى السيطرة على التلال لتأمين الجليل.
اليوم، وتحت غطاء التصعيد الإقليمي مع التصعيد المباشر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران ولبنان من جهة أخرى، عادت الدعوات إلى إفراغ جنوب لبنان من سكانه لإبعاد "التهديد".
امتدت التهديدات الإسرائيلية من 30 قرية إلى أكثر من 80 بلدة، مما دفع عشرات الآلاف إلى النزوح، ويوفر هذا الواقع للجانب الإسرائيلي إفراغا سكانيا، تدميرا للبنية التحتية، وصعوبة في العودة السريعة، مما يعيد تعريف الجنوب كمنطقة "عسكرية مغلقة".
مخطط "إسرائيل الكبرى" يبدأ من لبنان؟
تعتمد الأسس الحالية للحلم على بعدين رئيسيين، وهما السيطرة العسكرية على الأرض، والسيطرة على الموارد المائية (خاصة بعد السيطرة على جبل الشيخ).
يستفيد الجانب الإسرائيلي من الواقع السياسي اللبناني المنقسم، والدعوات لتحييد المقاومة وإبعاد الجيش اللبناني عن المناطق الأمامية، ورغم أن الحلم الاستيطاني لم يتحول بعد إلى سياسة رسمية معلنة، إلا أن التحركات الميدانية والخرائط والتصعيد العسكري تشير إلى أن جنوب لبنان قد يكون البداية لمخطط أوسع.
يبقى الجنوب ساحة اختبار دقيقة بين قدرة المقاومة على الردع، والأطماع الإسرائيلية، وبين الاعتبارات الأمنية والأيديولوجية، ومستقبل الحدود الشمالية لإسرائيل لن يتحدد بقرارات رسمية فحسب، بل بتراكم الوقائع على الأرض.



