كان ذلك ونحن على متن طائرةٍ تشق طريق عودتها من باريس حيث جمعتنا المصادفة في مقعدين متجاورين وبطول الرحلة بدأنا حديثًا عابرًا لقتل الوقت سرعان ما تحول إلى نقاشٍ أعمق كان محوره عامٌ يكاد يكتمل من حكم الإخوان لبلادنا وما تركه من أثرٍ في النفوس والواقع.
فوجئت بابتسامته الواثقة وبنظرة عينيه الحادة وهي تستقر في عيني كأنها تمهد لشيءٍ لم يُقل بعد ؛ وبعد لحظة صمت، ناداني باسمي بنبرة جادة:
— تامر.
أجبته باستغراب ممزوجٍ بشيءٍ من الألفة:
— نعم يا كينج؟
فقال بثقةٍ لا تهتز:
— مصر كبيرة أوي على الأراجوزات دي وكل ساعة بتمر يسقطوا أكتر مما هم ساقطين… مشكلتهم إنهم ما قدروش يستوعبوا التركيبة.
كان يتحدث كأنما يغني لمحبوبته مصر بصوتٍ داخلي مشبع بالشاعرية والصدق ولم يكن ذلك غريبًا عليه فقد سبق له أن غنّى لها “أنتِ بلاد طيبة” وكأن كلماته دائمًا ما تخرج محمّلة بحبٍ صادق وانتماءٍ عميق.
ثم أردف، وكأنه يضع خلاصة رؤيته:
— مصر يا عم تامر طول عمرها جامع وكنيسة وتياترو !!
توقفت عند كلمته الأخيرة وقد عقدت الدهشة لساني :
— تياترو ؟!
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بهدوء الواثق مؤكداً :
— أيوه… تياترو ؛ بس مش بالمعنى اللي جه في بالك… تياترو يعني ثقافة وأوبرا ومسرح وسينما وكتاب وجورنال وحفلة وديسكو وندوة … حياة كاملة بتتنفس فن وفكر .. جيناتنا ربنا خلقها كده وما ينفعش حد يغيرها حتي ولو كان رئيس جمهورية !!
صمتُّ لحظة أتأمل كلماته التي بدت كأنها ترسم صورة أخرى لمصر أوسع وأعمق ثم استطرد ونبرته تزداد حسمًا :
— اللي هيخليها جامع وبس هنثور عليه… واللي هيخليها كنيسة وبس هنثور واللي هيخليها تياترو وبس برضه هنثور عليه… ومش هيقعد ؛ مصر دي حالة ومش اي حالة ..
نظرت إليه متسائلًا أبحث في عينيه عن يقينٍ يبدد حيرتي:
— وتفتكر ده إمتى ممكن يحصل؟
اقترب قليلًا،ة وقال بثقةٍ هادئة كأنها وعدٌ قادم:
— قربت… قربت أوي يا تامر
ثم أسند رأسه إلى المقعد في استرخاءٍ هادئ، وكأن الحديث قد استنفد كل ما بداخله ليستسلم بعدها لنومٍ عميق استمر ساعة ونصف الساعة لم يوقظه منه سوى صوت قائد الطائرة وهو يطلب منا ربط الأحزمة استعدادًا للهبوط في مطار القاهرة الدولي .
ورغم مرور ثلاثة عشر عامًا كاملة على ذلك اللقاء إلا أن تفاصيله ما زالت حاضرة في ذهني بكل دقة كأنها حدثت بالأمس ؛ وكلما رأيت منير سواء عبر شاشة التلفاز أو في الواقع او كلما سمعت صوته يعلو بالغنا تعود إليّ تلك اللحظات كاملة بنفس الوهج وبنفس الإحساس الذي تركته في نفسي يومها .
وقد صدق “الكينج” — محمد منير — في رؤيته إذ سقط نظامٌ غاشم حاول أن يعبث بجينات هذا الشعب واراد السوء لوطنه فكان فشله حتميًا لأنه لم يُحسن قراءة تلك الشخصية المصرية الفريدة ؛ شخصيةٌ قد تتحمل وتصبر طويلًا بصبرٍ يكاد يبدو بلا حدود لكنها — حين يبلغ بها الصبر منتهاه — تتحول إلى قوةٍ لا يُستهان بها… فالحذر كل الحذر من لحظة نفاد هذا الصبر ؛ وهذا هو الدرس الذي لم تستوعبه الجماعة المحظورة ..
