عاجل

الزكاة بين التشريع والاقتصاد.. علي جمعة يضع خارطة شاملة لفهم الركن الثالث

علي جمعة
علي جمعة

وضع الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، خارطة شاملة لفهم الركن الثالث من أركان الإسلام، واصفاً الزكاة بأنها "عماد العماد" والعبادة المتعدية التي تمنح المجتمع روحه وتكافله، إذ لم يكن الحديث مجرد سردٍ للأحكام التقليدية، بل غاص في فلسفة "علة الحكم"؛ مفسراً السر وراء فرض الزكاة في أصنافٍ دون غيرها بناءً على قاعدة "قابلية التقسيم"، كاشفاً عن أمور فقهية تتعلق بالمقتنيات الثمينة كالألماس واللوحات الفنية التي قد تصل قيمتها للملايين ومع ذلك لا تجب فيها الزكاة.

أهمية فريضة الزكاة في الاسلام

شدد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، على الأهمية الفائقة لركن الزكاة في الإسلام، واصفاً إياها بأنها "عماد العماد"، ومحذراً في الوقت ذاته من الغفلة عن أحكامها أو التهرب من أدائها نتيجة تعلق النفس البشرية بالمال وحب حطام الدنيا.

الزكاة والفرق بين العبادة القاصرة والمتعدية

في مستهل حديثه عبر برنامج "اعرف دينك"، أوضح الدكتور علي جمعة الفارق الجوهري بين الصلاة والزكاة من حيث طبيعة النفع. وأشار إلى أن الزكاة تُصنف ضمن "العبادات المتعدية" التي يمتد أثرها ونفعها للآخرين، بخلاف الصلاة التي تقتصر فائدتها الروحية على المصلي نفسه.

وقال جمعة: "هذا الامتداد يجعل ترك الزكاة أشد جرماً من ترك الصلاة التي هي عماد الدين؛ فإذا كانت الصلاة وهي عبادة قاصرة تمثل عماد الدين، فإن الزكاة هي عماد العماد"، وانتقد الذين يتهربون من ذكر الزكاة أو إخراجها، مشبهاً إياهم بمن يهرب من ذكر الموت خوفاً منه، مؤكداً أن هذا السلوك يعكس ضعفاً في الإيمان، بينما المؤمن القوي هو من يواجه حقوق الله في ماله بكل شجاعة ويقين.

فلسفة "قابلية الانشطار" في أموال الزكاة

انتقل الدكتور علي جمعة لشرح قاعدة فقهية جوهرية تفسر لماذا فُرضت الزكاة في أصناف بعينها دون غيرها. وأكد أن الحكمة من الزكاة هي "إغناء الفقير"، وهذا المقصد يتطلب أن يكون المال المزكى عليه قابلاً للانشطار والقسمة دون أن تتلف عينه أو تنعدم قيمته.

وضرب مثالاً توضيحياً بجهاز "التلفزيون"، مبيناً أنه لا زكاة فيه لأنه غير قابل للتقسيم؛ فإذا أراد صاحب التلفزيون إعطاء الفقير جزءاً منه "سيضطر لكسره"، وحينها لن ينتفع الفقير بـ "فيشة" أو قطعة بلاستيكية، وستضيع المنفعة على الطرفين. ومن هنا، فُرضت الزكاة في النقدين “الذهب والفضة” وما يقوم مقامهما من العملات الورقية “الجنيه، الدولار، الين” لأنها وحدات قابلة للتجزئة وتمليكها للفقير يحقق غرض الإغناء بشكل مباشر.

عين القط واللوحات الفنية

وفي لفتة أثارت انتباه المتابعين، أجاب جمعة على تساؤل حول المقتنيات الثمينة مثل أحجار "عين القط" الكريم أو اللوحات الفنية التي تقدر بملايين الدولارات، وأكد بصورة قاطعة: "والله ما عليها زكاة".

وفسر ذلك بأن هذه المقتنيات، رغم قيمتها المادية الهائلة، تفتقر لشرط "النماء" وقابلية التقسيم. فاللوحة الفنية أو "الفاظة" الأثرية لا يمكن قص جزء منها لإعطائه للفقير لأن ذلك يفسد قيمتها تماماً. وأوضح أن الشخص قد يمتلك ثروة متمثلة في قطعة ألماس ورثها ولا يجد قوتاً ليومه، وهنا لا تجب عليه الزكاة في هذه القطعة لأنها ليست "مالاً نامياً" قابلاً للتجزئة.

تاريخ العملة المصرية ونظام محمد علي

عرج الدكتور علي جمعة على الجانب التاريخي الاقتصادي، متحدثاً عن "الجنيه المصري" الذي استحدثه محمد علي باشا. وأوضح أن الجنيه في ذلك الوقت كان يزن 8 جرامات و"هسة" (أي زيادة طفيفة تعادل 0.04 جرام).

وكشف عن مفارقة تاريخية، حيث كان الجنيه المصري في عهده أثقل من الجنيه الإنجليزي بمقدار "قرشين ونص" (خمسة تعريفة)، وهو ما جعل الجنيه الإنجليزي يساوي 97 قرشاً فقط بالنسبة لقيمة الجنيه المصري حينذاك، مما يعكس القوة الاقتصادية والمعدنية للعملة المصرية في تلك الحقبة.

قاعدة "واحد على الأربعين" وحساب النصاب

في شرحه لكيفية حساب الزكاة، أكد جمعة أن الشريعة وحدت النسب بشكل إعجازي؛ فالأصل في زكاة النقود هو قاعدة "واحد على الأربعين" أو ما يعادل 2.5%. وأوضح أن هذه النسبة هي نفسها المطبقة في زكاة الأنعام (شاة لكل 40 غنمة).

وبالنسبة لنصاب الذهب، أوضح أن النصاب هو 20 مثقالاً (ديناراً)، وبحساب وزن الدينار الذي حدده الفقهاء بـ 4.25 جرام، يصبح النصاب (20 × 4.25) أي ما يعادل 85 جراماً من الذهب. وأشار إلى أن القيم كانت متساوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان نصاب الفضة (200 درهم) ونصاب الذهب (20 ديناراً) يشتريان نفس القيمة من السلع تقريباً (نحو 40 شاة).

وزن الدينار والدرهم

واختتم الدكتور علي جمعة بالحديث عن توثيق هذه الأوزان من خلال المتاحف العالمية، حيث تم فحص دنانير تعود لعصور "هراكل" و"قيصر" لضبط الوزن الشرعي بدقة، وأشار إلى أن التعامل بالدرهم والدينار ظل سارياً في الوجدان والتشريع المصري حتى عهد الخديوي إسماعيل، الذي أصدر قانوناً رسمياً يحدد وزن الدينار والدرهم، لضمان دقة المعاملات المالية والحقوق الشرعية.

تم نسخ الرابط