لم تعد الحرب الإيرانية–الإسرائيلية–الأميركية حدثًا عابرًا في سجل أزمات الشرق الأوسط، ولا مجرد حلقة أخرى في تاريخ الاشتباك المزمن بين طهران وتل أبيب وواشنطن. ما جرى منذ الضربات الإسرائيلية الواسعة على إيران في 13 يونيو 2025، ثم اتساع المواجهة مع التدخل الأميركي المباشر والرد الإيراني على قاعدة العديد في قطر في 23 يونيو 2025، لم يكن مجرد حرب محدودة الأهداف؛ بل كان لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأسئلة الكبرى المتعلقة بطبيعة القوة، وحدود الردع، وموقع الشرق الأوسط في المعادلة الدولية، ومستقبل الهيمنة الأميركية، وأدوار كل من الصين وروسيا وأوروبا في عالم يزداد اضطرابًا وتفككًا. وقد دخلت المنطقة، ومعها النظام الدولي كله، في طور جديد يصعب فيه العودة إلى ما قبل تلك المواجهة، حتى مع وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيز التنفيذ في 24 يونيو 2025.
التحول الأول الذي فرضته هذه الحرب يتمثل في سقوط كثير من المسلمات القديمة بشأن “الحروب بالوكالة”. فمنذ سنوات، كان الاعتقاد السائد أن الصراع بين إيران وإسرائيل سيظل محكومًا بسقوف غير معلنة، وأنه سيُدار عبر الأذرع، والعمليات الاستخبارية، والضربات المحدودة، والرسائل المدروسة. غير أن التطورات التي بدأت بضرب القنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل 2024، مرورًا بالهجوم الإيراني المباشر على إسرائيل في 14 أبريل 2024، ثم هجوم أكتوبر الأول 2024، وصولًا إلى حرب يونيو 2025، أثبتت أن المنطقة انتقلت من منطق “الاحتواء المتبادل” إلى منطق “المواجهة المباشرة القابلة للتوسع”. هذا التحول لا يخص الشرق الأوسط وحده، بل يكشف عن اتجاه أوسع في النظام الدولي، حيث تتآكل القواعد غير المكتوبة التي حكمت سلوك القوى المتصارعة بعد الحرب الباردة، وتزداد قابلية الأزمات للتحول السريع من نزاع موضعي إلى اختبار عالمي للتوازنات.
ومن الناحية الاستراتيجية، أبرزت الحرب أن الولايات المتحدة ما زالت الفاعل العسكري الأكثر قدرة على التدخل الحاسم، لكنها لم تعد قادرة على احتكار تعريف النصر أو ضبط التداعيات السياسية والاقتصادية للتدخل. فحتى حين استطاعت واشنطن أن تضرب أهدافًا إيرانية حساسة وتفرض وزنها على مسار الاشتباك، ظهرت سريعًا حدود القوة الصلبة: تقديرات أولية أميركية نقلتها عدة وكلات صحفية عالمية أن بعد الضربات أشارت إلى أن تلك العمليات لم تُنهِ البرنامج الإيراني نهائيًا، بل ربما أعادته أشهرًا إلى الوراء فقط. والمعنى هنا بالغ الأهمية: تستطيع الولايات المتحدة أن تعطل وتردع وتخيف، لكنها لم تعد تضمن بمفردها إنتاج تسوية استراتيجية مستقرة، ولا حتى حسمًا نهائيًا في بيئات معقدة ومفتوحة مثل الشرق الأوسط. وهذا في جوهره أحد أهم مؤشرات التحول في النظام الدولي: بقاء التفوق الأميركي من دون عودة كاملة إلى زمن الأحادية القطبية.
أما إسرائيل، فقد خرجت من الحرب وهي تؤكد مرة أخرى أنها ما تزال تمتلك المبادأة العملياتية، والقدرة على اختراق العمق الإيراني، وتوسيع مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي إلى ما وراء الحدود التقليدية. لكن هذا “النجاح العسكري” لا يساوي بالضرورة استقرارًا سياسيًا أو استراتيجيًا طويل الأمد. فإسرائيل، وإن أظهرت قدرة عالية على توجيه ضربات نوعية، وجدت نفسها أيضًا أمام حقيقة أن إيران لم تعد خصمًا يمكن عزله داخل مسرح واحد، وأن الرد الإيراني الصاروخي، رغم نسب الاعتراض المرتفعة، كشف هشاشة فكرة “الحصانة الكاملة”. فخلال حرب الأيام الاثني عشر، أطلقت إيران أكثر من 550 صاروخًا على إسرائيل، بينما تحدثت السلطات الإسرائيلية عن 28 قتيلًا وأكثر من ألف جريح، مع نسبة اعتراض قُدرت بنحو 90%. وهذه الأرقام، مهما بدا فيها عنصر تفوق دفاعي إسرائيلي، تشير أيضًا إلى أن الردع لم يعد أحادي الاتجاه، وأن تكلفة الحرب المباشرة على الداخل الإسرائيلي لم تعد نظرية.
في المقابل، تكشف التجربة الإيرانية عن مفارقة مركبة. فمن جهة، تعرضت طهران لضربات موجعة استهدفت منشآت وقادة وبنية عسكرية وعلمية، ووُصفت بأنها الأعنف منذ الحرب العراقية–الإيرانية. ومن جهة ثانية، لم تنهَر الدولة، ولم يظهر تفكك داخلي حاسم، ولم يتحقق سريعًا الرهان على تغيير النظام من داخل الصدمة العسكرية. حتى العديد من الوكلات الصحفية العالمية أشارت بعد وقف إطلاق النار إلى غياب مؤشرات احتجاج واسعة يمكن أن تعني أن الحرب قد حسمت مستقبل النظام السياسي الإيراني من الداخل. وهذا يعني أن إيران، رغم الضرر الكبير، ما تزال تمتلك قدرة امتصاص استراتيجية، وقابلية لإعادة التموضع، وأدوات ردح غير متماثلة تجعل القضاء النهائي على دورها الإقليمي مسألة أعقد بكثير من مجرد حملة جوية كثيفة.
لكن الأثر الأهم لهذه الحرب لا يكمن فقط في حسابات النصر والخسارة المباشرة، بل في إعادة تعريف “ميزان القوى”. فالميزان في صورته التقليدية لم يعد مجرد مقارنة بين حجم الجيوش والإنفاق العسكري، بل صار مزيجًا من القدرة على الضرب، والقدرة على الاحتمال، والقدرة على تعطيل التجارة والطاقة، والقدرة على فرض كلفة عالمية على الخصم. هنا تحديدًا برزت إيران بوصفها قوة لا تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة أو إسرائيل في التفوق التكنولوجي والقدرة الجوية، لكنها تستطيع، عبر الموقع الجغرافي والتهديد البحري والصواريخ والشبكات الإقليمية، أن تجعل الحرب مكلفة على الاقتصاد العالمي كله. ومع اتساع الحرب في مارس/آذار 2026، نقلت رويترز أن إغلاقًا شبه فعلي لمضيق هرمز عطّل ما يصل إلى 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، وأن أسعار النفط قفزت بنحو 25%، مع اضطراب واسع في الصادرات الخليجية وتوقفات في مرافق حيوية. هذه الحقيقة تعيد إلى الشرق الأوسط موقعه المركزي في النظام الدولي، لا باعتباره مجرد ساحة نزاع، بل باعتباره عقدة حاسمة في أمن الطاقة والاقتصاد العالميين.
وهنا تظهر النتيجة الكبرى: الحرب لم تُنتج نظامًا دوليًا جديدًا مكتمل الشكل، لكنها سرعت الانتقال إلى نظام أكثر سيولة وأقل يقينًا. فالولايات المتحدة لم تتراجع، لكنها أيضًا لم تستعد قدرتها القديمة على فرض الاستقرار من خلال التفوق العسكري وحده. وروسيا لم تصبح قوة حاسمة في مسار الحرب، لكنها استفادت نسبيًا من ارتفاع أسعار الطاقة ومن احتمال انشغال الغرب عن أوكرانيا. أما الصين، فقد ظهرت كقوة كبرى ذات مصالح ضخمة، لكنها مترددة في التورط الأمني المباشر، وهو ما يعكس الفارق بين القوة الاقتصادية العالمية وبين الاستعداد لتحمل أعباء الزعامة الجيوسياسية الكاملة. رويترز أشارت بوضوح إلى أن بكين وموسكو، على الرغم من علاقاتهما الوثيقة مع طهران، وجدتا نفسيهما مقيدتين: الصين بسبب اعتمادها على استقرار الخليج والطاقة والتجارة، وروسيا بسبب استنزافها في أوكرانيا وحاجتها إلى عدم خسارة علاقاتها مع دول الخليج. وهذا يعني أن ما بعد الحرب ليس عصر صعود بديل فوري للولايات المتحدة، بل عصر تعدد قيود القوى الكبرى وعجزها المتبادل عن صناعة ترتيب مستقر بمفردها.
بالنسبة لأوروبا، جاءت الحرب لتكشف حجم المأزق البنيوي الذي تعيشه القارة. فمن جهة، تدرك العواصم الأوروبية أن أمنها الطاقوي والتجاري يتأثر مباشرة بأي انفجار كبير في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، فإنها ما تزال عاجزة عن لعب دور أمني مستقل بالمعنى الكامل. لذلك تسارع في أوروبا منذ 2025 منطق إعادة التسلح ورفع الإنفاق الدفاعي. وقد أقر حلف شمال الأطلسي في قمة لاهاي 2025 هدفًا طموحًا يتمثل في تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا بحلول 2035 للإنفاق الدفاعي والأمني، بينما دفعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي خططًا ضخمة تحت عنوان “إعادة تسليح أوروبا” و”الجاهزية 2030”، مع حديث عن تعبئة قد تصل إلى 800 مليار يورو. غير أن هذا الصعود الأوروبي في الإنفاق لا يغير فورًا حقيقة أن البنية الدفاعية الأوروبية ما تزال مجزأة، وأن جزءًا معتبرًا من الأمن الأوروبي لا يزال مربوطًا بالمظلة الأميركية. بالتالي، فإن الحرب زادت اندفاع أوروبا نحو التسلح، لكنها لم تحل بعد معضلة الاستقلال الاستراتيجي.
وفي سياق أوسع، لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن ظاهرة العسكرة العالمية المتصاعدة. فوفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في 2024 نحو 2.718 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى يسجله المعهد، مع ارتفاع بنسبة 9.4% على أساس سنوي، فيما بلغ إنفاق الشرق الأوسط العسكري نحو 243 مليار دولار بزيادة 15% عن 2023. هذه الأرقام ليست مجرد خلفية إحصائية؛ إنها تعكس عالمًا يدخل طورًا تتراجع فيه أولوية التنمية أمام اعتبارات الأمن، وتعلو فيه مكانة الصناعات الدفاعية، وتزداد فيه شرعية الخطاب القائم على الردع والاستعداد للحرب. بهذا المعنى، لم تُنتج الحرب الإيرانية–الإسرائيلية–الأميركية سباق تسلح جديدًا من العدم، لكنها عززت اتجاهًا قائمًا أصلًا، ودفعت دولًا كثيرة إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية والاقتصادية.
اقتصاديًا، وجهت الحرب رسالة قاسية إلى العالم مفادها أن العولمة لا تزال رهينة الجغرافيا السياسية. فمنذ سنوات، ساد انطباع بأن الاقتصاد العالمي، رغم هشاشته، صار أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الإقليمية. لكن الاضطراب الذي أصاب الطاقة والشحن والتأمين وتدفقات الغاز والنفط مع توسع الحرب أثبت أن العقدة الشرق أوسطية لا تزال قادرة على إعادة تسعير المخاطر عالميًا خلال أيام. وقد حذر صندوق النقد الدولي عبر مسؤوليه من أن الأثر الاقتصادي للحرب سيتحدد بمدتها وبحجم الضرر الواقع على البنية التحتية والطاقة، لا سيما إذا تحولت زيادة الأسعار إلى موجة طويلة لا إلى صدمة عابرة. كما أشارت تقديرات نقلتها رويترز إلى أن استمرار التوتر قد يدفع خام برنت إلى 120 دولارًا للبرميل، مع مخاطر بلوغه مستويات أعلى في السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا. وفي هذه البيئة، يصبح ميزان القوى مرتبطًا أيضًا بالقدرة على تحمل التضخم، وتمويل الاستيراد، وحماية العملات والأسواق الناشئة من الارتجاج الحاد.
ومن زاوية النظام الإقليمي العربي، تبدو الحرب لحظة شديدة الحساسية. فالدول الخليجية تحديدًا وجدت نفسها أمام معادلة معقدة: هي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأميركية، لكنها لا تريد التحول إلى ساحة مفتوحة للحرب؛ وتسعى إلى حماية تدفقات الطاقة والتجارة، لكنها تدرك أن قربها الجغرافي من بؤرة الصراع يجعلها في مرمى الردود والتداعيات. وقد ظهر ذلك بوضوح في الوساطات الخليجية ومحاولات قطر وعُمان وغيرهما احتواء التصعيد، وفي القلق العميق من استهداف القواعد والممرات والمنشآت. وفي المدى الأوسع، تعزز هذه الحرب مكانة الدول العربية القادرة على لعب أدوار الوساطة والتهدئة وضمان استقرار الطاقة، بما يجعل بعض العواصم العربية أكثر أهمية في معادلة النظام الدولي، لا أقل. فحين يصبح الاستقرار الإقليمي سلعة نادرة، ترتفع القيمة الاستراتيجية لمن يستطيع إنتاجه أو التوسط فيه.
إلا أن أخطر ما كشفت عنه الحرب هو أن العالم يتجه نحو ما يمكن وصفه بـ”الردع غير المستقر”. فالأطراف الكبرى جميعًا تملك أدوات إيلام عالية، لكن أياً منها لا يملك ضمانات كافية للتحكم الكامل في مسار التصعيد. الولايات المتحدة تستطيع الضرب، لكنها قد تُستدرج إلى انخراط أوسع. وإسرائيل تستطيع المفاجأة والمبادأة، لكنها لا تستطيع إلغاء القدرة الإيرانية على الرد الكامل. وإيران تستطيع التعطيل والإنهاك، لكنها لا تستطيع فرض هيمنة عسكرية مباشرة على خصومها. أما الصين وروسيا وأوروبا، فتملك أدوات تأثير كبيرة، لكن ضمن قيود تجعل تدخلها جزئيًا أو انتقائيًا. هذه البنية من التوازن لا تشبه توازن الرعب الكلاسيكي في الحرب الباردة، لأنها أقل انضباطًا، وأكثر تشابكًا مع الميليشيات والطاقة والأسواق والممرات البحرية والحروب السيبرانية والمجالات الرمادية. ولذلك فإن الخطر في المرحلة المقبلة لا يكمن فقط في حرب شاملة جديدة، بل في سلسلة أزمات متكررة، قصيرة المدى في ظاهرها، لكنها عالية التأثير عالميًا.
ولعل من أبرز نتائج ما بعد الحرب أيضًا أن “الشرعية” عادت لتصبح عنصرًا جوهريًا في القوة الدولية، لا مجرد مبحث قانوني أو أخلاقي. فالقوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لصناعة صورة المنتصر ما لم تقترن بقدرة على إقناع الحلفاء، وطمأنة الأسواق، ومنع الانزلاق الإنساني والسياسي. وكلما طال أمد الحرب واتسعت كلفتها المدنية والاقتصادية، تراجعت قدرة أي طرف على تقديم نفسه بوصفه حاميًا للاستقرار. ولهذا فإن أحد محاور ميزان القوى الجديد لن يكون عسكريًا فقط، بل سرديًا أيضًا: من ينجح في فرض روايته على العالم، ومن ينجح في تصوير نفسه كقوة ضرورة لا كقوة فوضى، ومن يستطيع تحويل التفوق الناري إلى مشروعية سياسية مستدامة. في هذا المجال، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضخمة، لكن صورتها تتعرض للاختبار كلما بدا تدخلها سببًا في توسيع الفوضى، فيما تحاول الصين أن تربح من خطاب الاستقرار وعدم التدخل، وتستفيد روسيا من كل لحظة انشغال غربي متعدد الجبهات.
خلاصة القول إن الحرب الإيرانية–الإسرائيلية–الأميركية لم تُنهِ النظام الدولي القديم دفعة واحدة، لكنها دفعت بقوة نحو تعرية تناقضاته وتسريع تحوله. لقد أكدت بقاء الولايات المتحدة في موقع القوة العسكرية الأولى، لكنها كشفت في الوقت نفسه محدودية القدرة الأميركية على صناعة تسويات نهائية. وأظهرت أن إسرائيل تستطيع توسيع نطاق المعركة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج بيئة إقليمية مستقرة. وأثبتت أن إيران، حتى وهي تتلقى ضربات قاسية، لا تزال قادرة على جعل الحرب باهظة الثمن إقليميًا ودوليًا. كما أبرزت أن الصين وروسيا قوتان مهمتان، لكنهما ليستا بعدُ بديلًا كاملاً عن الدور الأميركي في إدارة أزمات بهذا الحجم. أما أوروبا، فقد وجدت نفسها مرة أخرى أمام ضرورة التسلح من دون أن تحسم بعدُ سؤال الاستقلال الاستراتيجي.
في عالم ما بعد هذه الحرب، لا يبدو ميزان القوى متجهًا إلى قطب واحد، ولا إلى ثنائية واضحة، بل إلى تعددية مضطربة، تتقاسمها قوى كبرى كثيرة، لكن من دون قدرة كاملة لأي منها على فرض النظام. وهذا تحديدًا ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر خطورة: ليس لأن العالم يعرف من يحكمه، بل لأن العالم لم يعد يعرف على وجه الدقة من يستطيع أن يوقف انحداره عندما تبدأ الحروب.