عاجل
محمد الغريب
محمد الغريب

تتواصل رحلة أيقونات رمضانية في النصف من الشهر الفضيل الذي تتسارع خطواته ويطول العام في انتظاره مع مبكي القلوب وسلطان الابتهالات المبتهل الراحل نصر الدين طوبار.

«طوبار» الذي سال دمعي وهو يناجي سامعًا دعوة المظلوم في الليل الطويل، ووقفت أدبًا في دنا سالكين الدرب، وزاد سعي حين يهدي الصبح إشراق سناه. عهدته في صغري جارًا لمقام رجل بألف حين كنت أذهب رفقة أبناء الخال احتفاءً بمولد القعقاع بن عمرو التميمي، في مدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية.

ازداد فرحي وأنا أخبر من جدي قصة مبتهلٍ أسرتني الحياة في محرابه طربًا وعشقًا وندى وهو من يقول عن مناجاة ربه في الليل الطويل: «سال دمعي يا إلهي ولولا غربتي ما كان دمعي يسيل.. غربتي نجوى ونيران شوق وأسى باك وليل طويل ولك الأمر ومالي رجاء غير أن تسعى إليك السبيل».

لم تكن كلمات «طوبار» عندي كصغير يذهب للمولد ويعود مع أقرانه حاملًا الألعاب والحلوى سوى أهازيج موكب كركب الجمال الذي كنت أشاهده أمام حانوت الحداد بقريتنا حين أذهب لقضاء الإجازة الصيفية هناك.

بدأ فضولي بالبحث والتفتيش عن منزل «طوبار» مع دخولي صفوف التعليم الإعدادي، أتأمل في حارات مدينة احتضنت وترعرع فيها أعظم المبتهلين في نظري فاق بصوته شيخ المبتهلين وعميدهم سيد النقشبندي وإن كانا من المحافظة ذاتها.

كان انحيازي لـ «طوبار» أنه لم يغادر محافظتنا كما فعل النقشبندي صغيرًا، فكان ابتهاله بالفجر في أرجاء القرية طقسًا رمضانيًا حين يحل رمضان وتتسابق المساجد في إذاعة الفجر قرآنًا وابتهالًا وآذانًا، يشعرنا أنه قد اقترب صيامنا قبل مباغتة المؤذن «اشرب وارفع»، وهي إشارة لنا أنه قد يكبر بأذان الفجر في ثوانٍ معدودات.

بالعودة لولي المبتهلين عندي تسارعت في الاحتفاظ بما يقول وأتسابق إلى جمعه، فكان عندي:«سلوا قلبي»، «حين يهدى الصبح إشراق سناه»،«يا مالك الملك»، «جل المنادي» و«بك أستجير» وغيرها من روائع قد حفرت بمداد من ذهب ونقشت في روح كأنها كلمات من الألماس الذي لا يخدش.

جسد الشيخ نصر الدين طوبار الصوت المميز والحسّ المُرهف الذي يثير في نفوس السامعين الخشوع والوجد، ورحل عنا تاركا ميراثًا ضخمًا من الإنشاد والمدائح والابتهالات، فرحم الله من كانت وستظل ابتهالاته تُشنّف الآذان وتُطرب القلوب.

تم نسخ الرابط