يتواصل الحديث في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان، مع أيقونات رمضانية عبر الشيخ محمود أبو الوفا الصعيدي، ذلك الكروان الذي علق بذهني وهو يحصي أسماء الله الحسنى الواردة بخاتمة سورة الحشر.
تلاوة ربما تذهب بك إلى أعماق التدبر وأنت تسمعه يجود في رحاب سورة الحشر:«هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)»، فتقشعر الأبدان مع كل اسم هو ثابت للحق جل وعلا.
قد تكون آيات الحشر هي أعمق ما علق بروحي من قراءات كروان الصعيد، ورغم أن القدر لم يحالفني باللقاء مع الشيخ الراحل لكنه كان أكثر محبة لي بأن شرفت بالجلوس مع نجله، بل يضحى أقرب الأقربين في دولة التلاوة بي.
امتازت قراءة أبوالوفا الصعيدي بالخشوع التام كما كان كثير البكاء أثناء القراءة تأثرًا بكلام الله سبحانه وتعالى، ولأن قراءته كانت تخرج من القلب فقد اخترقت قلوب مستمعيه فأصبح له قاعدة شعبية عريضة من محبيه الذين كانوا يسيرون خلفه في جميع حفلاته حبا في صوته وفي القرآن.
كان حديثنا عن الأب الذي ملأ سمعي وقلبي بصوتٍ حفر في تلك الغصة مكانا لا يعدله أحدًا بتلك الطيبة التي تخترق الحاجز بمجرد أن تنظر إلى صورته وتزداد بهاء بمجرد أن يبدأ مسبحًا وأوابًا كالطير في محراب داود عليه السلام.
لم أجد دوما في ذكراه إلا أن أستعين بما كتبه كبير المبتهلين الشيخ منتصر الأكرت وهو يقول:؛«من بيت قرآنى، فالبيت كاملا يحفظ القرٱن، كانت والدته رحمها الله تعالى تحفظ القرآن، وأخيه الأكبر رحمه الله تعالى عبدالفتاح كان من أهل القرآن، وأخيه القارئ المعروف الشيخ عبدالله بارك الله فى عمره، وابنه الدكتور أحمد الآن يغرد في سماء التلاوات على نهج والده».
ولم يتوقف شغفي بالشيخ أبو الوفا الصعيدي عند حد السماع منه، ليخطف قلبي ما تركه من ذرية بعضها من بعض تصدح بصوت كأنه كتب له الخلد في الدارين، ومع تسليمنا لقول الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم أنه يقال لقارئ القرآن اقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها فإن الشيخ ترك لنا من ذريته من يجعله سلسالًا يطيل من عمره.
كان حديثي مع القارئ الدكتور أحمد نجل الشيخ أبو الوفا الصعيدي على خلاف استقبالي لأبناء القراء رغم مكانتهم في دولة التلاوة وعراقتها، فكنت أبحث في ملامحه لعلي أعمق صورة الراحل من قلبي، بادرته بالسؤال عن حالته مع القرآن، رمضانه، لحظات ما قبل الرحيل، فكأني في حضرة ولي لا قارئ بادرني أنه يحرص على الاعتكاف بحضرة الوحي الشريف وردا وأدبا، يحيا به ويرسخه في نفوس من حوله، فرحم الله القارئ الخاشع وكروان الصعيد وكتبه في منازل الصديقين وجمعنا به.