بث مباشر شعائر أول جمعة في رمضان 1447 من مسجد مصر الكبير
تنقل شعائر صلاة الجمعة اليوم من مسجد مصر الكبير، وتبدأ الشعائر بتلاوة للقارئ الشيخ محمدي بحيري، فيما حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة أول جمعة في رمضان للحديث عن شهر الإرادة والكرم.
رمضان شهر الإرادة والكرم
وقالت الأوقاف إن رمضان شهرُ الإرادة؛ لأنَّه الميدان الذي يتعلَّم فيه الإنسان كيف ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره، ففيه يُمسك الصائم عن شهواته المباحة قبل المحرَّمة، لا لشيءٍ إلا امتثالًا لأمر الله، وتصديقًا لمعنى العبودية الصادقة، فإذا قدر على ترك ما يشتهيه وهو قادرٌ عليه، دلَّ ذلك على أن زمام نفسه بيده لا بيد هواه.
وقال إن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريبٌ يوميٌّ على الصبر، ومجاهدةٌ للنفس، وتربيةٌ للإرادة؛ حتى يصبح المؤمن قويَّ العزيمة، ثابتَ المبدأ، لا تزلزله الرغبات ولا تستعبده العادات، ولهذا كان رمضان مدرسةً ربانيةً تُخرِّج رجالًا ونساءً يملكون أنفسهم، ويعرفون أن أعظم نصرٍ يحققه الإنسان هو نصره على شهواته، وإليك بيان طرف من ذلك.
ثمرة الصيام ضبط النفس وقوة الإرادة
قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَیكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتقوى ثمرة الصيام، وهي تعني ضبط النفس ومراقبة الله، وهذا هو جوهر الإرادة، والتقوى تولِّد في القلب يقينًا بالله، فمن اجتاز دورة الصيام بقلبٍ حاضر، وعزمٍ صادق، خرج منها وقد اشتدّ عوده، ورقّت روحه، وقويت إرادته، وارتقى في مدارج القرب، حتى يُكتب عند الله في زمرة الصائمين حقًّا.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ» [رواه البخاري].
قال ابن عبد البر: "وأمّا قولُهُ: «فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتمَهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ»، ففيه قولانِ:
أحدُهُما: أنَّهُ يقولُ للذي يُرِيدُ مُشاتمَتهُ ومُقاتلتَهُ: إنِّي صائمٌ، وصَوْمِي يمنعُني من مُجاوبتِكَ، لأنِّي أصُونُ صَوْمِي عن الخَنا والزُّورِ من القَولِ، فبِهذا أُمِرتُ، ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسِي بمِثلِ ما قُلتَ لي سواءً، ونحو ذلك.
والمعنى حِينئذٍ على هذا التَّأوِيلِ في الحديثِ، أنَّ الصّائمَ نُهِيَ عن مُقاتَلةِ من قاتَلهُ بلسانِهِ ومُشاتمتِهِ، وعليه صَوْنُ صومه عن ذلك، وبهذا وردَ الحديثُ.
والقولُ الثّاني: أنَّ الصّائمَ يقولُ في نفسِهِ لنَفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نَفْسي، فلا سبِيلَ إلى شِفاءِ غَيْظِكِ بالمُشاتمَةِ، ولا يُظهِرُ قولهُ: "إنِّي صائمٌ"، لما فيه من الرِّياءِ، واطَّلاع النّاسِ على عَمَلِهِ؛ لأنَّ الصَّومَ من العَملِ الذي لا يَظْهرُ، ولذلك يجزِي اللهُ الصّائمَ أجرَهُ بغيرِ حِسابٍ".



