أول جمعة من رمضان: ماذا قالت الأوقاف عن شهر الإرادة والكرم في خطبة اليوم؟
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة أول جمعة في رمضان للحديث عن شهر الإرادة والكرم، وتنقل شعائر صلاة الجمعة اليوم من مسجد مصر الكبير، وتبدأ الشعائر بتلاوة للقارئ الشيخ محمدي بحيري.
رمضان شهر الإرادة والكرم
وقالت الأوقاف إن رمضان شهرُ الإرادة؛ لأنَّه الميدان الذي يتعلَّم فيه الإنسان كيف ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره، ففيه يُمسك الصائم عن شهواته المباحة قبل المحرَّمة، لا لشيءٍ إلا امتثالًا لأمر الله، وتصديقًا لمعنى العبودية الصادقة، فإذا قدر على ترك ما يشتهيه وهو قادرٌ عليه، دلَّ ذلك على أن زمام نفسه بيده لا بيد هواه.
إن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريبٌ يوميٌّ على الصبر، ومجاهدةٌ للنفس، وتربيةٌ للإرادة؛ حتى يصبح المؤمن قويَّ العزيمة، ثابتَ المبدأ، لا تزلزله الرغبات ولا تستعبده العادات، ولهذا كان رمضان مدرسةً ربانيةً تُخرِّج رجالًا ونساءً يملكون أنفسهم، ويعرفون أن أعظم نصرٍ يحققه الإنسان هو نصره على شهواته، وإليك بيان طرف من ذلك.
ثمرة الصيام ضبط النفس وقوة الإرادة
قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَیكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتقوى ثمرة الصيام، وهي تعني ضبط النفس ومراقبة الله، وهذا هو جوهر الإرادة، والتقوى تولِّد في القلب يقينًا بالله، فمن اجتاز دورة الصيام بقلبٍ حاضر، وعزمٍ صادق، خرج منها وقد اشتدّ عوده، ورقّت روحه، وقويت إرادته، وارتقى في مدارج القرب، حتى يُكتب عند الله في زمرة الصائمين حقًّا.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ» [رواه البخاري].
قال ابن عبد البر: "وأمّا قولُهُ: «فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتمَهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ»، ففيه قولانِ:
أحدُهُما: أنَّهُ يقولُ للذي يُرِيدُ مُشاتمَتهُ ومُقاتلتَهُ: إنِّي صائمٌ، وصَوْمِي يمنعُني من مُجاوبتِكَ، لأنِّي أصُونُ صَوْمِي عن الخَنا والزُّورِ من القَولِ، فبِهذا أُمِرتُ، ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسِي بمِثلِ ما قُلتَ لي سواءً، ونحو ذلك.
والمعنى حِينئذٍ على هذا التَّأوِيلِ في الحديثِ، أنَّ الصّائمَ نُهِيَ عن مُقاتَلةِ من قاتَلهُ بلسانِهِ ومُشاتمتِهِ، وعليه صَوْنُ صومه عن ذلك، وبهذا وردَ الحديثُ.
والقولُ الثّاني: أنَّ الصّائمَ يقولُ في نفسِهِ لنَفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نَفْسي، فلا سبِيلَ إلى شِفاءِ غَيْظِكِ بالمُشاتمَةِ، ولا يُظهِرُ قولهُ: "إنِّي صائمٌ"، لما فيه من الرِّياءِ، واطَّلاع النّاسِ على عَمَلِهِ؛ لأنَّ الصَّومَ من العَملِ الذي لا يَظْهرُ، ولذلك يجزِي اللهُ الصّائمَ أجرَهُ بغيرِ حِسابٍ" [التمهيد].
رمضان مدرسة الإرادة وتزكية النفس
رمضانُ شهرُ الإرادةِ الصادقة، ومدرسةُ العزيمةِ التي تُهذِّب النفس وتُروِّضها على الصبر الجميل، فيه يتعلَّم الإنسان كيف يقود شهوته ولا تقوده، وكيف يملك زمام رغباته فلا تستعبده، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الشبابَ الذين لا يجدون مؤونة الزواج إلى الصوم، وجعله لهم وِجاءً يحفظ عليهم عفافهم، كما في الحديث المتفق عليه: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فالصوم حصنٌ منيع، وسياجٌ واقٍ، يخفف غليان الشهوة، ويزرع في القلب سكينةً تُعين على الطهر والاستقامة.
يقول الإمام ابن الهُمام -أحد فقهاء الحنفية- في فوائد الصوم: "شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا: سُكُونَ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَكَسْرَ سَوْرَتِهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ مِنْ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ، فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا، وَلِذَا قِيلَ: إذَا جَاعَتْ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ وَإِذَا شَبِعَتْ جَاعَتْ كُلُّهَا" [فتح القدير].
ورمضان يمنح المسلم فرصةً عمليةً لمجاهدة النفس التي وصفها القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفسِیۤ إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بِٱلسُّوۤءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّیۤ إِنَّ رَبِّی غَفُور رَّحِیم﴾ [يوسف: ٥٣]، ففي هذا الشهر تُقيَّد الشهوات بسلاسل الإرادة، ويُدرَّب القلب على أن يقول "لا" حين تعصف الرغبات، وأن يختار رضا الله على نداء الهوى.
إنه شهرُ انتصارِ الإنسان على نفسه، وشهرُ تزكيةٍ تتجدَّد فيها العهود، فتسمو الروح، ويقوى العزم، ويخرج الصائم من مدرسته وقد تعلَّم أعظم دروس الحياة: أن من ملك نفسه ملك دنياه وآخرته.
يدع طعامه وشرابه من أجلي:
يقول تعالى في الحديث القدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه البخاري]، وفي رواية أخرى: «يَدَعُ طَعَامَهُ وشَرابَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه أحمد]، عبارةٌ قصيرةُ الألفاظ، عظيمةُ المعاني، تفتح للقلب أبوابَ التأمل في سرِّ الصيام، وحقيقة الإرادة، وجوهر العبودية.
فالصائم حين تمتدُّ يده إلى الماء ثم يكفُّها، وحين تدعوه شهوةُ الطعام ثم يردعها، لا يفعل ذلك خوفَ رقيبٍ من البشر، ولا التزامًا بعادةٍ اجتماعية، وإنما يفعلُه لأن في قلبه يقينًا أن الله يراه، وهنا تتجلّى حقيقة الإرادة المهذَّبة؛ إرادةٌ لا يحكمها الجوع، ولا يقودها العطش، بل يوجِّهها الإيمان، إن النفس بطبعها ميّالةٌ إلى اللذة، فإذا استطاع الإنسان أن يقول لها: توقّفي -لا عجزًا بل طاعةً- فقد ارتقى من مرتبة الانقياد للشهوة إلى مرتبة السيادة عليها، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٤٠–٤١]، فجعل الفوز الأبدي ثمرةً لنهي النفس، لأن تهذيب الإرادة هو الطريق إلى رضوان الله.
الإرادة في ميزان الإيمان
إن أعظم معركة يخوضها الإنسان هي معركته مع نفسه وهواه، يأتي رمضان ليقول لك: "أنت قادر".
إرادة الترك: إذا استطعت أن تترك الطعام والشراب الحلال بإرادتك طاعةً لله، فأنت أقدر على ترك الحرام والشبهات، فالصائم يمتلك "فرامل" قوية توقف شهواته عند حدود الله.
إرادة التغيير: كم من عادة سيئة (كالتدخين، الغيبة، ضياع الوقت، ...) استعصت علينا طوال العام!، يأتي رمضان ليثبت لك أنك تملك الإرادة للتغيير، فمن صبر عن الماء البارد في ظهيرة حارة، قادر على أن يصبر عن المعصية.
ضبط الانفعالات: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سَابَّه أَحَدُ أو قاتَلَهُ فليَقُل: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ»، هذه قمة الإرادة؛ أن تملك نفسك عند الغضب.
فحقيقة الإرادة في ميزان الإيمان ليست أن تفعل ما تشتهي، بل أن تملك نفسك حين تشتهي، ومن هنا كان الصوم مدرسةً ربانيةً تُعيد ترتيب الأولويات في القلب، حتى نتحقق بقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَينَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ [الحجرات: ١]، يقول الإمام القرطبي: "أي لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قَدَّم قوله أو فعله على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قدمه على الله تعالى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمر عن أمر الله عز وجل" [الجامع لأحكام القرآن].
ويقول الحافظ ابن كثير: "هذه آداب أدَّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعامِلون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، ... أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور" [تفسير القرآن العظيم].




