بعد الارتفاع القياسي.. هل يصبح الذهب بديلًا عن الدولار خلال الفترة المقبلة؟
تشهد الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة اتجاهًا متصاعدًا لدى البنوك المركزية نحو شراء الذهب بأرقام غير مسبوقة، في ظل تزايد المخاوف من التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، وتراجع الثقة في الأصول الدولارية التقليدية.
زيادة تاريخية في مشتريات الذهب
أظهرت بيانات حديثة أن معظم البنوك المركزية في العالم تخطط لزيادة حيازاتها من الذهب خلال الـ 12 شهرًا المقبلة، ويتوقع خفض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال السنوات القليلة المقبلة، وفق استطلاع أجراه مجلس الذهب العالمي.
وفي سياق مماثل، أظهرت تقارير اقتصادية أن البنوك المركزية أضافت كميات ضخمة من الذهب إلى احتياطياتها خلال السنوات الماضية، مع استمرار وتيرة الشراء، وهو ما يمثل ثاني أكبر مكون في الاحتياطيات الدولية بعد الدولار في بعض التقديرات.
ويتضح من سجلات الطلب أن البنوك المركزية تتجه لعزل نفسها عن أصول الدولار الأميركية التقليدية، وبخاصة سندات الخزانة الأمريكية، لصالح تكديس الذهب كأصل احتياطي آمن، وذلك وسط مخاوف من الالتزامات المالية الأمريكية والتقلبات في أسعار الفائدة.
لماذا يتجه المركزيون نحو الذهب؟
يُنظر إلى الذهب كـ “ملاذ آمن” في أوقات عدم اليقين، وله خصائص تميّزه عن العملات الورقية، إذ لا يمكن طبعه أو التحكم في كميته بسهولة، كما أنه يحافظ على القيمة على المدى الطويل في مواجهة التضخم والهزات المالية.
كما أن التوترات الجيوسياسية العالمية، مثل النزاعات التجارية والعقوبات الاقتصادية وتراجع الثقة في الاستقرار النقدي لبعض العملات الكبرى، عززت من جاذبية المعدن النفيس لدى صانعي السياسات النقدية حول العالم.
هل يحل الذهب محل الدولار؟
برغم هذا التوجّه الواضح نحو الذهب، لا يتوقع الاقتصاديون أن يحل الذهب محل الدولار كعملة احتياطية عالمية في المستقبل القريب أو المتوسط. فقد يظل الدولار في مركزه لفترة طويلة بسبب اعتماده الواسع في التجارة الدولية، وأسواق السندات، والتمويل العالمي، وقدرته على توفير سيولة ضخمة في مواجهة الطلب على النقد.
ويرى خبراء أن ما يحدث في الواقع هو تنويع في الاحتياطيات، وليس استبدالًا كاملاً. فبينما يتوقع نحو 75% من مديري الاحتياطات لدى البنوك المركزية زيادة حصة الذهب في مخزونهم، يتوقع أيضًا انخفاضًا مماثلًا في الدولار خلال السنوات الخمس المقبلة، لكن ذلك لا يعني نهاية دور الدولار في النظام المالي العالمي.
ماذا يعني ذلك للأسواق؟
الدولار قد يفقد بعض الحصة في الاحتياطيات تجاه الذهب وأصول أخرى، نتيجة لسياسات التنويع.
الذهب سيظل ملاذًا وقائيًا للمركزيين والمستثمرين في فترات التوتر الاقتصادي.
الهيمنة المطلقة للدولار كاحتياطي عالمي ليست مهددة على المدى القريب، لكنها قد تتراجع تدريجيًا إذا استمرت السياسات في هذا الاتجاه.
اتجاه البنوك المركزية لشراء الذهب بكثافة يعكس تحولًا في استراتيجيات الاحتياطيات بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الدولار الأمريكي، لكن ذلك لا يعني أن الذهب سيلغي الدولار أو يحل محله بالكامل. فالذهب يظل أداة تنويع واحتياط آمن، بينما يبقى الدولار عنصرًا مركزيًا في النظام المالي العالمي بحكم هيمنته التاريخية وسيولته المرتفعة.
وفي التقرير التالي يرصد لكم موقع نيوز رووم، هل يحل الذهب محل الدولار خلال الفترة المقبلة:
سبب إقبال البنوك المركزية على شراء الذهب
ومن جانبها قالت الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، إن الإقبال المتزايد من البنوك المركزية على شراء الذهب خلال الفترة الأخيرة يعكس حالة من عدم اليقين التي تسيطر على المشهد المالي العالمي، موضحة أن الدولار يشهد تراجعًا ملحوظًا أمام معظم العملات الدولية، وليس في مصر فقط، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبله كعملة احتياطية مهيمنة.
وأضافت الدماطي في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن النظام المالي العالمي يشهد تحولات جوهرية، في ظل صعود قوى اقتصادية كبرى مثل الصين وروسيا، واتساع دور تكتل «بريكس»، إلى جانب اتجاه عدد من الدول لإجراء معاملاتها التجارية خارج منظومة «سويفت»، وهو ما بات واضحًا في الاتفاقيات الاقتصادية التي أُبرمت مؤخرًا، حتى بين بعض الدول الغربية وحلفاء تقليديين للولايات المتحدة.
البنوك المركزية باتت تبحث عن أدوات أكثر أمانًا
وأشارت الدماطي إلى أن البنوك المركزية، بوصفها مسؤولة عن حماية احتياطيات الشعوب، باتت تبحث عن أدوات أكثر أمانًا، قائلة: «لا يمكن في ظل هذه الظروف الاعتماد على عملة تتراجع قيمتها عالميًا كمخزن أساسي للاحتياطي»، مؤكدة أن الذهب يظل الملاذ الآمن الأهم في أوقات الاضطراب.
وأوضحت أن تصاعد التوترات الجيوسياسية، واحتمالات اندلاع صراعات إقليمية ودولية، يسهمان بشكل مباشر في زيادة الطلب على الذهب وارتفاع أسعاره، معتبرة أن العالم يمر بمرحلة انتقالية قد تشهد إعادة تشكيل النظام المالي الدولي.
الذهب سيظل عنصرًا رئيسيًا في إدارة الاحتياطيات خلال المرحلة المقبلة
وأضافت أن ما تقوم به البنوك المركزية حاليًا هو تحوّط طبيعي ومنطقي في مرحلة تتسم بقدر كبير من المخاطر وعدم اليقين، مؤكدة أن الذهب سيظل عنصرًا رئيسيًا في إدارة الاحتياطيات خلال المرحلة المقبلة.
ومن جانبه أكد الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن الارتفاعات القياسية التي يشهدها الذهب عالميًا لا تعني – على الإطلاق – أن البنوك المركزية تتجه للاستغناء عن العملات الورقية أو التحول إلى الذهب كبديل نقدي، معتبرًا أن هذا الطرح “غير واقعي ويجري تداوله بشكل غير علمي”.
احتياطات الدول من الذهب
وأوضح النحاس في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن كثيرًا من التحليلات المتداولة تعتمد على نقل أخبار مجتزأة دون فهم حقيقي لطبيعة الاحتياطيات النقدية للدول الكبرى، مشيرًا إلى أن الصين التي تستخدم دائمًا كمثال في هذا السياق كانت تمتلك احتياطيات دولارية تقترب من 3.25 تريليون دولار، في حين أن إجمالي ما تمتلكه من ذهب حاليًا لا تتجاوز قيمته 350 إلى 400 مليار دولار فقط، قائلًا: “لكي يصبح الذهب مساويًا للدولار في احتياطي الصين، نحتاج إلى ما يقرب من 200 عام، خاصة أن الإنتاج العالمي من الذهب لا يتجاوز 2000 طن سنويًا، وهو ما يجعل فكرة استبدال العملات الكبرى بالذهب ضربًا من الخيال”.
الولايات المتحدة تمتلك نحو 8000 طن من الذهب
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا السيناريو قد يكون ممكنًا فقط في الدول الصغيرة ذات الاحتياطيات المحدودة، أما الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين، فالأمر مستحيل عمليًا، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك نحو 8000 طن من الذهب لا تتجاوز قيمتها تريليون دولار، في حين أن حجم ديونها يتجاوز عدة تريليونات، وهو ما يعكس غياب أي تناسب بين الذهب وحجم الاقتصادات الكبرى.
حرب اقتصادية على المعادن
وشدد الدكتور وائل النحاس على أن ما يشهده العالم حاليًا ليس صراعًا بين الذهب والدولار، وإنما حرب اقتصادية حقيقية على المعادن الاستراتيجية، موضحًا أن الصين تسيطر على نحو 70% من المعادن النادرة والثمينة والصناعية عالميًا، وهي مكونات تدخل في كل الصناعات، من أبسط المنتجات وحتى الصناعات العسكرية المتقدمة.
وأوضح أن الولايات المتحدة، في المقابل، تتحرك في اتجاه آخر عبر الاستثمار المكثف في الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد بشكل أساسي على هذه المعادن، وهو ما يفسر حالة التوتر وارتفاع أسعار المعادن خلال الفترة الأخيرة.
وقال: “الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعمل بمعادن مرتفعة التكلفة، وبالتالي هناك مصلحة أمريكية في ترك الأسعار ترتفع مؤقتًا، ثم التدخل لاحقًا لكسرها، حتى تصبح المعادن متاحة بأسعار منخفضة تخدم الصناعة الجديدة”.
الذهب ليس في صعود أبدي
وحذر النحاس من الاعتقاد بأن الذهب في مسار صعود دائم، مؤكدًا أن التاريخ الاقتصادي يُثبت أن الذهب يمر دائمًا بموجات ارتفاع يعقبها تصحيح حاد قد يصل إلى 50%، كما حدث في السبعينيات، وفي فقاعة “الدوت كوم”، وأزمة 2008.
وأضاف: “نعم، الذهب يرتفع حاليًا، لكنه ارتفاع مرحلي مرتبط بحالة القلق العالمي، وليس اتجاهًا أبديًا. ومع انتهاء الصراع الأمريكي–الصيني وظهور نتائج الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، سنشهد تصحيحًا قويًا”.
وتوقع أن يتراوح القاع السعري للذهب – بعد انتهاء موجة الصعود الحالية – بين 2800 و3600 دولار للأونصة، مؤكدًا أن الذهب لن يعود إلى مستويات 1200 دولار مرة أخرى بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج التي تجاوزت 1600 دولار للأونصة.
الصين لا تخزن الذهب بل تعيد تصنيعه
وكشف الخبير الاقتصادي أن الصين لا تشتري الذهب بغرض التخزين كاحتياطي نقدي، وإنما كمخزون استراتيجي لإعادة التصنيع، موضحًا أن بكين طورت تقنيات كيميائية جديدة لذهب عيار 24 تمنحه صلابة مماثلة لعيار 18، ما يسمح باستخدام كميات أقل مع الحفاظ على الجودة.
وقال: “الصين لا تضع الذهب في الخزائن، بل تعيد تصنيعه، وتستعد للمنافسة بقوة في سوق المعادن المصنعة، وهو ما سيغير خريطة الطلب العالمي خلال السنوات المقبلة”.
معركة الاقتصاد الحقيقي
وأكد الدكتور وائل النحاس، على أن ما يجري حاليًا هو معركة الاقتصاد العالمي الحقيقية، تقوم على إدارة الفوضى ورفع وخفض الأسعار بشكل متعمد، بعيدًا عن الشعارات التقليدية حول الذهب والدولار.
وأضاف: “المشكلة أن كثيرين ينقلون المعلومات دون تحليل أو دراسة، بينما الواقع أعقد بكثير، ويحتاج إلى فهم عميق لطبيعة الصراع بين المعادن، الطاقة، والتكنولوجيا… وهذه هي معركة العالم في المرحلة المقبلة”.