بعد اقتراح نائبة
«اتبرع بجلدك حلال ولا حرام».. ما الحكم الشرعي للتبرع بالأعضاء حيًا وميتًا؟
تصدر مقترح النائبة أميرة صابر عضو مجلس الشيوخ حول التبرع بالأعضاء منصات التواصل الاجتماعي، وتساءل الكثيرون عن الحكم الشرعي للتبرع بالأعضاء.
قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية
وأكدت النائبة أميرة صابر، أنها تعتزم فتح ملف زراعة ونقل والتبرع بالأعضاء البشرية في مصر بشكل شامل، انطلاقًا من الحق في الحياة وتخفيف معاناة آلاف المرضى والأسر الذين يواجهون صعوبات في العثور على متبرعين أو تحقيق نسب التوافق الطبي المطلوبة.
وأوضحت أن قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية مضى على صدوره نحو 16 عامًا، بينما مرّ على لائحته التنفيذية 15 عامًا، دون استكمال بناء بنية تحتية جادة لبنوك الأعضاء أو وضع مسار إجرائي واضح يضمن تنفيذ رغبة المتبرعين بعد الوفاة، رغم وجود لجنة عليا لزراعة الأعضاء أُعيد تشكيلها أكثر من مرة كان آخرها في عام 2023، إلا أن المنجز المؤسسي ما زال محدودًا مقارنة بتجارب دولية رائدة مثل إسبانيا وتركيا.
ضوابط التبرع بالأعضاء.. هل تجوز شرعًا؟
بدورها قالت دار الإفتاء إن التبرع بالأعضاء جائز شرعًا إذا روعيت ضوابطه الشرعية ومحدداته القانونية، التي تقوم على تحقق موت المنقول منه موتًا شرعيًّا ومفارقته للحياة مفارقة تامة، أي موتًا كليًّا يَسمَح بدفنه، ولا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يُعرَف بموت جذع المخ أو الدماغ؛ لأنه لا يعد موتًا شرعًا؛ لبقاء بعض أجهزة الجسم حيَّةً.
وكذلك أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو بكامل قواه العقلية وبدون إكراه مادي أو معنوي وعالمًا بأنه يوصي بعضو معين ينزع من جسده بعد مماته، وبما لا يؤدي النقل إلى امتهان لكرامة الآدمي، فلا تتضمن الوصية نقل كثير من الأعضاء بحيث يصير جسد الآدمي خاويًا؛ لأن هذا ينافي التكريم الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وشريطة ألا يكون العضو المنقول مؤديًا إلى اختلاط الأنساب بحالٍ من الأحوال، كالأعضاء التناسلية ونحوها.
الوصية بالتبرع بالأعضاء
ولفتت فتوى دار الإفتاء إلى أن الوصية بالتبرع بالأعضاء تدخل تحت معنى الإيصاء لا الوصيَّة، والمسئول عن تنفيذها سواء في حالة تعيين وصي أو عدم تعيينه هو الدولة بما لها من سلطة الرقابة والقدرة على الحدِّ من المخاطر التي تكتنف هذه العملية ممثَّلَةً في اللجنة العليا لزراعة الأعضاء، مع مراعاة رغبة الموصي إذا عيَّن الموصى له، أمَّا إذا لم يُعيِّن فإنه يُرجَع إلى القواعد الضابطة في ذلك والتي نظمها القانون.
وفي إطار الرد على مقترح "سلخ الأنسجة": بين كرامة الآدمي وهوس التوفير المالي، قال الشيخ محمد أبوالنصر من علماء وزارة الأوقاف، إن النظرة إلى الإنسان في الشريعة الإسلامية تختلف جذريا عن النظرة المادية الغربية التي تراه "مجموعة من قطع الغيار". فالإنسان بنيان الله، ملعون من هدمه أو انتهك حرمته حيا أو ميتا.
ولفت إلى أن القول بتأسيس بنك وطني للأنسجة، وإن تلفع بعباءة "المنفعة العامة"، إلا أنه يفتح بابا لانتهاك الجسد الذي استخلفنا الله عليه ولم يملكنا إياه، مبينًا أن الأصل الأصيل أن جسد الإنسان ملك لخالقه، وليس ملكا للشخص نفسه ليهبه، ولا للدولة لتستبيحه تحت مسميات الاستيراد والتصدير.
كذلك الإنسان مستخلف لا مالك: يقول الله تعالى في بيان أصالة الخلق: ﴿لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير﴾ [المائدة: ١٢٠]، فإذا كان المالك هو الله، فلا يحق للمخلوق أن يتصرف في أجزائه إلا بما أذن به الشرع، ولم يرد نص يبيح "تخزين" أعضاء الآدميين كالسلع.
كما أوضح على أن حرمة الميت كحرمة الحي، فالاعتداء على الميت بتقطيع أنسجته هو اعتداء آثم ينافي التكريم الإلهي، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا»، لافتا إلى أن هذا نص صريح في أن إيلام الميت بانتهاك جسده كإيلام الحي، فكيف بمن يريد بقر بطنه ونزع أنسجته؟!
الآراء الفقهية في المسألة
انقسم الفقهاء المعاصرون في مسألة بنوك الأنسجة والتبرع بها بعد الوفاة إلى اتجاهين:
● الرأي الأول (الجواز بشروط): يرى أصحابه أن المصلحة الراجحة لإحياء النفس تبيح ذلك، قياسا على الضرورات.
● الرأي الثاني (المنع والتحريم - وهو الراجح): يرى أن كرامة الإنسان تعلو على كل مصلحة متوهمة، وأن "المثلة" (تشويه الجثة) محرمة شرعا.
وشدد على ترجيح المنع؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى مفاسد لا يعلمها إلا الله، منها التلاعب بالأجساد، وامتهان الفقراء ليتحولوا إلى "مخازن" للأنسجة.
خطورة "تسليع" الإنسان ومآلات البنوك الوطنية
وقال إن الدعوة لإنشاء "بنك" هي دعوة مادية بحتة، تحول الإنسان من كائن مكرم إلى مادة خام يمكن تداولها وحفظها، منها: مخاطر الاتجار المقنع، فبمجرد صيرورة الأنسجة داخل "بنك"، فإنها تخضع لمنطق الإدارة، والمصاريف، والبيع والشراء تحت مسمى "تكاليف الحفظ"، وهذا بيع لما لا يملك، يقول الله تعالى محذرا من تغيير فطرته وانتهاك خلقه: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ [النساء: ١١٩]، وتقطيع الأجساد لوضعها في ثلاجات البنوك هو قمة التغيير والامتهان.
كذلك هتك الستر وحرمة المدافن: فالإسلام أمر بتعجيل الدفن ومواراة السوأة، وليس بتأخيرها وتشريحها، فجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» وفي نزع الأنسجة تعطيل لهذا الهدي النبوي، وهتك لستر الميت الذي صانه الله.
وحول دعوى النائبة بأن البنك الوطني سيغني عن الاستيراد، قال إن العلاج لا يكون بالحرامـ وذلك وفقا للقاعدة الفقهية التي تقول: "المحرم لا يتداوى به"، والكرامة الآدمية لا تقايض بالمال، جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث»، ولا أخبث من دواء يستخلص من هتك حرمة جسد مؤمن يفترض أن يوارى التراب بسلام.
وشدد على أن الأولى بالدولة والبحث العلمي التوجه نحو "الأنسجة الصناعية" أو "الاستنساخ النسيجي" المخبري بدلا من انتظار موت المواطنين لتقطيع أجسادهم، فلقد جزم القرآن الكريم بسيادة الإنسان وتكريمه، وهذا التكريم يمنع جعله محطا للتجارب أو مصدرا للأنسجة يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ [الإسراء: ٧٠].
واختتم بأن من مقتضيات هذا التكريم: ستر جسده، وعدم التعرض له بمشرط أو تمزيق بعد رحيل روحه، فالميت لا يدافع عن نفسه، والشرع هو وليه وأن المطلب بتأسيس بنك للأنسجة هو مطلب ينظر للإنسان ك"ترس" في آلة، أو "بضاعة" في مخزن، وأن حماية جسد المواطن من التشويه بعد وفاته هي قمة الرقي الأخلاقي. فالأجساد ليست ملكا للدولة، والفقر لا يبرر هتك الحرمات، لذا نرفض هذا المقترح حماية لكرامة الميت، ومنعا لتسليع الإنسان، وسدا لذريعة المتاجرة بالأعضاء.





