ما الحكمة من النهي الوارد عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؟
ما الحكمة من النهي الوارد عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؟ سؤال أوضحت فيه دار الإفتاء إجماع العلماء على أنه يكره للمصلي قراءة القرآن الكريم في ركوعه وسجوده بقصد تلاوته؛
ما الحكمة من النهي الوارد عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؟
الأصل في هذا الإجماع ما ثبت من النهي عنهما فيما أخرجه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فقال:«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ؛ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».
وما أخرجه أيضًا من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: «نَهَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَنَا رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
وقد بيَّن العلماء الحكمة من النهي عن قراءة القرآن حال الركوع والسجود؛ حيث ذكروا أن القرآن الكريم أعظم الذكر وأجله، وموضعه حال القيام لا محل الخفض من الركوع والسجود؛ تعظيمًا للقرآن، وتكريمًا لقارئه، ولأن الركوع والسجود حالان دالان على الذل والانكسار، ويناسبهما التعظيم والتسبيح والدعاء.
وقال الشيخ ابن تيمية: وفي نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود دليل على أن القرآن أشرف الكلام؛ إذ هو كلام الله، وحالة الركوع والسجود ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب منع كلام الله أن يُقرأ في هاتين الحالتين.
وقال الملا علي القاري: إن الركوع والسجود حالان دالان على الذل ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنُهي عن القراءة فيهما تعظيمًا للقرآن الكريم، وتكريمًا لقارئه، والله بكل شيء عليم
ماذا يقول الشخص في «الركوع».. وهل يجوز فيه الدعاء ؟
أكدت دار الإفتاء أن الدعاء في الركوع من الصلاة أمرٌ مستحبٌّ، وهو من السنن النبوية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مشيرةً إلى أن النبي كان يُكثِر من الدعاء والتسبيح في هذا الموضع من صلاته، لما فيه من تعظيمٍ لله تعالى وخضوعٍ كاملٍ لجلاله.
الدعاء في الركوع
وأوضحت الدار أن الركوع من أعظم هيئات الخضوع في الصلاة، وأن الدعاء فيه يُعبّر عن تمام التذلل لله عز وجل، وقد ثبت عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُكثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (رواه البخاري).
وأشارت دار الإفتاء إلى أن هذا الحديث الشريف يدل على استحباب الدعاء في الركوع، سواء كان بطلب المغفرة أو بأي دعاءٍ آخر يتضمن تعظيم الله والثناء عليه، ما دام لا يخرج عن الأدب المشروع في هذا الموضع من الصلاة.
هيئة الركوع وما يُقال فيه
وبيَّنت الدار أن الركوع موضع تعظيمٍ لله تعالى، ولذلك وردت فيه أذكارٌ مخصوصةٌ تُعبّر عن الخضوع والتمجيد، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الركوع فعظِّموا فيه الربَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (رواه مسلم).
ومن هذا الحديث –تضيف الدار– يتضح أن الركوع يُختص بالتسبيح والتعظيم، بينما يُستحب الإكثار من الدعاء في السجود، إلا أن ورود الدعاء في الركوع بصيغة المغفرة والثناء يدل على مشروعيته واستحبابه أيضًا، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
نقلت دار الإفتاء ما قاله الإمام الخطيب الشربيني في كتابه «مغني المحتاج» (1/366): «ويُستحب الدعاء في الركوع؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُكثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي».
كما أكّد جمهور الفقهاء –من الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية– على استحباب الدعاء في الركوع، بشرط ألا يطيل المصلّي الركوع إطالةً تُخرجه عن هيئة الصلاة المعتدلة، وألا يدعو بألفاظٍ تخالف الأدب أو تتضمن طلبًا دنيويًا صريحًا داخل الصلاة المفروضة.
الفرق بين الدعاء في الركوع و الدعاء في السجود
وبيَّنت دار الإفتاء أن الدعاء في الركوع يكون على سبيل الاستغفار والثناء على الله، مثل قول: «اللهم اغفر لي»، أو «سبحانك اللهم وبحمدك»، أو «ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض»، أما في السجود فيكون الدعاء أوسع، ويجوز فيه سؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، كما ورد في السنة النبوية.
وأشارت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص السجود بالدعاء الأكثر، لكنّه لم يمنع الدعاء في الركوع، بل أثبته فعلاً وقولًا، مما يدل على جوازه واستحبابه.
دعت دار الإفتاء المسلمين إلى الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أذكار الركوع والسجود، وأن يتحرّوا الخشوع في هذه المواطن، وألا يجعلوا الصلاة مجرد حركاتٍ ظاهريةٍ، بل مقام تضرعٍ وتذللٍ لله تعالى، مؤكدة أن الخشوع والذكر في الركوع من أعظم أسباب قبول الصلاة ورفع الدرجات.
الدعاء في الركوع مستحبٌّ، والأفضل أن يكون على هيئة ما ورد في السنة النبوية من التسبيح والاستغفار، كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». ويُستحب للمصلّي أن يُعظِّم الله في ركوعه، ويُكثِر من الدعاء بالمغفرة والرحمة؛ اقتداءً بهدي النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.



