الإمام الشافعي من مكة إلى مصر: رحلةُ عقلٍ يصنع مدرسة
واصل العلماء دفاعهم عن الإمام الشافعي، ضد حملات التشويه والتشكيك التي يطلقها البعض ممن يتسمون بالتنويريين.
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- من مكة إلى بغداد إلى مصر
اسمه ونسبه: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف؛ هاشميٌّ مطلبيٌّ.
وأما أمه فالمشهور أنها من الأزد وكنيتها أم حبيبة، وقيل: هي فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
ولد سنة 150هـ (وهي سنة وفاة الإمام أبي حنيفة)، وولد بـعسقلان من قرى غزة، ثم انتقل مع أمه إلى مكة، وكان منزله قريبًا من شِعْب الخيف.
حفظ القرآن قبل السابعة، وقرأ على إسماعيل بن قسطنطين شيخ أهل مكة بقراءة ابن كثير، وبدأ طلب العلم مبكرًا، فكان يجالس علماء مكة ويحفظ الحديث والمسائل.
وبلغ من نبوغه أن أذن له شيوخه بالإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة؛ وقال له شيخه مسلم بن خالد الزنجي: «أفتِ يا أبا عبد الله، فقد—والله—آن لك أن تفتي».
شيوخ الإمام الشافعي
• بمكة: سفيان بن عيينة، مسلم بن خالد الزنجي، سعيد بن سالم القداح، داود بن عبد الرحمن العطار، عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود.
• بالمدينة: لازم الإمام مالكًا حتى توفي سنة 179هـ، وأخذ أيضًا عن: إبراهيم بن سعد الأنصاري، عبد العزيز بن محمد الدراوردي، إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، محمد بن سعيد بن أبي فديك، عبد الله بن نافع الصائغ.
• ببغداد: أخذ عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وعن حفاظ الحديث: وكيع بن الجراح، عبد الوهاب الثقفي، أبو أسامة حماد بن أسامة، إسماعيل بن علية.
●رحلاته العلمية ومراحل تأسيس مذهبه
1. القدوم الأول إلى بغداد: اتصل بالحياة العلمية بها، وأكثر الأخذ عن محمد بن الحسن، ودرس مذهب الحنفية دراسة واسعة حتى ناظر تلاميذه. ثم عاد إلى مكة وعقد مجلسه الأول في الحرم.
2. القدوم الثاني إلى بغداد (195هـ): وقد اكتمل نضجه العلمي، وكان له أثر ظاهر في حلقات العلم ببغداد. مكث سنتين، ونشر مذهبه القديم، وصنف كتاب (الحجة)، ولازمه: أحمد بن حنبل، أبو ثور، الزعفراني، الكرابيسي.
3. القدوم الثالث إلى بغداد (198هـ): مكث أشهرًا يسيرة ثم عزم على الرحيل إلى مصر.
4. القدوم إلى مصر (199هـ): بدأ دروسه بجامع عمرو بن العاص، واجتمع عليه كثير من المصريين، وتحول قوم من أتباع مالك وأبي حنيفة إلى مذهبه، وبرز تلاميذه بمصر مثل: البويطي والمزني. ونشأت بالعراق مدرسة داخل المذهب عُرفت بـمدرسة العراقيين.
أسرة الإمام الشافعي وأولاده
تزوج حميدة بنت نافع بن عيينة بعد وفاة مالك (179هـ)، وكان عمره نحو تسعٍ وعشرين سنة. وكانت له سرية.
ورُزق: أبو عثمان محمد (وهو الأكبر، وكان قاضيًا بحلب)، وابنتان: فاطمة وزينب، ومن سريته ابن يقال له الحسن مات طفلًا.
تلاميذ الإمام الشافعي وأصحابه
من أشهرهم: أحمد بن حنبل، أبو بكر الحميدي، أبو الوليد المكي موسى بن أبي الجارود، أبو يعقوب البويطي، أبو إبراهيم المزني، الربيع بن سليمان المرادي، أبو ثور إبراهيم بن خالد.
●منهجه في تربية التلاميذ
تميّز بتربية تلاميذه على الاجتهاد والاستقلال، وكان ينهى عن التقليد، ويقول بمعناه: ما لم تشهد به عقولكم وترَوه حقًّا فلا تقبلوه، وكان يشجع التفكير ويجعل جوائز لمن يصيب.
●أطوار المذهب الشافعي
• الإعداد والتكوين: بعد وفاة مالك (179هـ) حتى قدومه بغداد ثانية (195هـ).
• ظهور المذهب القديم: من 195هـ إلى الرحيل لمصر 199هـ.
• نضج المذهب الجديد: من 199هـ إلى الوفاة 204هـ.
• التخريج والتدليل: بعد الوفاة حتى منتصف القرن الخامس (وربما السابع).
• الاستقرار: استقرار المدارس، وتحرير الراجح، ووضع المطولات والمختصرات وشروحها.
بين القديم والجديد: اشتهر أنه غيّر مذهبه لاختلاف العادات بمصر، والراجح أن كثيرًا من اختلافات القديم والجديد مبنِيٌّ على الترجيح بالدليل لا على اختلاف البلاد.
مؤلفات الإمام الشافعي وما جمعه أصحابه
الأم (مطبوع) | جامع المزني الكبير | جامع المزني الصغير | مختصر المزني (مطبوع) | مختصر الربيع | مختصر البويطي | كتاب حرملة | كتاب الحجة (وهو المذهب القديم) | الرسالة الجديدة (مطبوع) | الرسالة القديمة | الأمالي | الإملاء | أحكام القرآن (مطبوع) | مسند الشافعي (مطبوع) | السنن للشافعي (مطبوع) | كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى (ويُسمَّى أيضًا: كتاب اختلاف العراقيين) (مطبوع) | كتاب اختلاف علي وابن مسعود (مطبوع) | كتاب اختلاف مالك والشافعي | كتاب جماع العلم (مطبوع) | كتاب صفة نهي رسول الله ﷺ (مطبوع) | كتاب إبطال الاستحسان (مطبوع) | كتاب الرد على محمد بن الحسن (مطبوع) | كتاب الرقعة | كتاب اختلاف الحديث (مطبوع). وجُمعت أشعاره في ديوان مستقل.
صفة الإمام الشافعي
كان عالي الهمة، لطيفًا بأصحابه رقيق الحاشية، شديد العناية بالعبادة وقيام الليل (يقسم ليلته: صلاة/تأليف/نوم)، متواضعًا لا يحب الشهرة، ومن أفصح الناس وأعلمهم بلسان العرب، حتى عُدَّ ممن تؤخذ عنه اللغة، وله مواعظ وحكم مشهورة.
وفاة الإمام الشافعي
توفي—كما يروي الربيع بن سليمان—ليلة الجمعة بعد العشاء، آخر يوم من رجب، ودُفن يوم الجمعة، ورُئي هلال شعبان سنة 204هـ؛ فعاش نحو أربعٍ وخمسين سنة.
من كتاب: الإمام الشافعي ومدرسته الفقهية - أ.د. #علي_جمعة
#سلاسل_النور





