عام على عودة ترامب للبيت الأبيض.. من يكسب ومن يدفع الثمن؟
قالت إيرينا تسوكرمان، المحللة السياسية بالحزب الجمهوري، ومحامية الأمن القومي الأمريكي ، وعضو مجلس إدارة مركز واشنطن الخارجي لحرب المعلومات، إن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجعل تقييم الرابحين والخاسرين أقل ارتباطًا بالانتماءات الحزبية، وأكثر ارتباطًا بموقع كل طرف داخل شبكة معقدة من المقايضات المتنافسة، مثل أسعار المستهلكين مقابل حماية الصناعة، وإنفاذ القانون مقابل توافر اليد العاملة، وتخفيف القيود التنظيمية مقابل حماية المستهلك، وتقاسم أعباء التحالفات مقابل الطمأنة الجيوسياسية.
وأوضحت إيرينا تسوكرمان في تصريح خاص لموقع “نيوز رووم”، أن الفئات الأمريكية التي مالت إلى تحقيق مكاسب هي تلك القادرة على تحويل سرعة القرار التنفيذي، وتقلب السياسات، وقوة التفاوض إلى مزايا مستدامة، في المقابل، كانت الفئات الأكثر عرضة للخسارة هي التي يعتمد ازدهارها على استقرار القواعد، وسلاسة التدفقات العابرة للحدود، ووجود أطر مؤسسية عالية الثقة.

وأضافت تسوكرمان أن النمط العام يعكس إدارة تسعى إلى تحقيق مكاسب تعاملية سريعة وإعادة توجيه متسارعة، بينما تعمل منظومة المحاكم والفيدرالية والأسواق ومراكز النفوذ داخل الكونجرس على كبح أو إعادة توجيه أو إبطاء أكثر المبادرات اندفاعًا.
وأشارت إلى أن من بين الرابحين الواضحين داخليًا الائتلافات السياسية والصناعات المنسجمة مع أجندة تخفيف القيود التنظيمية، وتسريع منح التصاريح، وتوسيع نفوذ السلطة التنفيذية. وحتى عندما تكون النتائج موضع خلاف أو تتعرض للتعطيل، فإن اتجاه الحركة يصب في مصلحة الفاعلين القادرين على استغلال الثغرات التنظيمية بسرعة، مثل الشركات الكبرى ذات الإمكانات القانونية الواسعة، واتحادات التجارة القادرة على التأثير في صياغة الإرشادات، وحلفاء الولايات على مستوى الحكومات المحلية القادرين على مواءمة خطواتهم مع الزخم الفيدرالي، ولذلك فإن الرابحين ليسوا بالضرورة الأكبر حجمًا، بل الأكثر قدرة على المناورة داخل المنظومة المؤسسية.
معركة الرسوم الجمركية
وأوضحت تسوكرمان أن فئة رابحة أخرى، ولو على المدى القصير، تتمثل في بعض المنتجين المحليين المحميين أو المفضلين استراتيجيًا، الذين يستفيدون من فرض الرسوم الجمركية أو حتى التهديد بها، ومن منطق “المعاملة بالمثل” في المفاوضات التجارية، فعندما ترتفع الرسوم أو يتم التلويح بها بشكل موثوق، يحصل هؤلاء المنتجون على هامش تنفّس أمام المنافسة الخارجية، ويعززون قدرتهم على التفاوض بشأن الأسعار والعقود.
كما تستفيد بعض الشركات من إعادة توجيه سلاسل الإمداد لتصنيفها كمصادر مفضلة، خصوصًا عندما تميل المشتريات الفيدرالية وأطر الامتثال والإشارات السياسية إلى تفضيل الإنتاج المحلي،غير أن هذه المكاسب ليست موزعة بالتساوي، حيث قد تؤدي حماية قطاع معين إلى فرض تكاليف أعلى على الصناعات اللاحقة، ما يجعل العائد الصافي محصورًا في حلقات محددة بدل أن ينعكس على الاقتصاد ككل.

كما ترى تسوكرمان أن الخاسرين يبدأون بالمستهلكين والشركات الموجهة للمستهلك، حيث تعمل الرسوم الجمركية كضريبة غير مباشرة على السلع الأساسية التي تعتمد عليها الأسر والشركات الصغيرة، خاصة في ظل غياب بدائل محلية سريعة.
وغالبًا ما تفتقر متاجر التجزئة والمصنعون الأصغر إلى قوة التسعير التي تمتلكها العلامات الكبرى، فيجدون أنفسهم عالقين بين ارتفاع التكاليف ومقاومة المستهلكين. وحتى عند خفض الرسوم لاحقًا، فإن حالة عدم اليقين المؤقتة قد ترسخ مستويات أعلى من التكاليف عبر سياسات التحوط والمخزون وهوامش المخاطر، وهو أثر لا يزول بقرار إداري. وبالنسبة للأسر، يظهر هذا العبء تدريجيًا لا على شكل صدمة مفاجئة، ما يصعّب رصده سياسيًا رغم واقعيته اقتصاديًا.
وأضافت أن فئة خاسرة أخرى تتمثل في منظومة الامتثال وحماية المستهلك، عندما يصبح إنفاذ القواعد أقل استقرارًا أو أكثر خضوعًا للتجاذب السياسي، فعندما تقيد الوكالات أو يعاد تنظيمها أو تستنزف في نزاعات قانونية متكررة، لا تقتصر الآثار على البيروقراطية، بل تمتد إلى فقدان وضوح قواعد اللعبة، وازدياد الغموض التنافسي أمام الشركات الصغيرة، وتراجع سبل الإنصاف المتاحة للمستهلكين.
الهجرة.. مكاسب سياسية وخسائر اقتصادية
وفي ملف الهجرة والأمن الداخلي، قالت تسوكرمان إن الرابحين يظهرون بشكل أوضح على المستوى السياسي والعاطفي، ويشملون الناخبين الذين يضعون ضبط الحدود في مقدمة أولوياتهم، والمجتمعات التي تربط بين الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، إضافة إلى الوكالات التي تتوسع صلاحياتها في مجالات المراقبة والإنفاذ.
وأوضحت أن النهج الردعي عالي الظهور يمنح أنصار الإدارة شعورًا باستعادة السيادة، ويعزز قدرة واشنطن على المساومة مع الجوار الإقليمي عندما تدمج ملفات الهجرة والأمن والتجارة في سلة تفاوضية واحدة. كما يستفيد متعاقدو البنية التحتية للإنفاذ، من تكنولوجيا المراقبة إلى الاحتجاز والخدمات اللوجستية.
وعلى الصعيد السياسي، تحقق الإدارة مكاسب عندما ينصب الاهتمام العام على الإجراءات المرئية بدل المقايضات الاقتصادية الصامتة.
لكن هذه السياسة نفسها تخلق خاسرين كبارًا، حيث تعتمد قطاعات مثل الزراعة والبناء ورعاية المسنين وتجهيز الأغذية والضيافة بشكل بنيوي على العمالة المهاجرة، فالتشديد المفاجئ يرفع التكاليف، ويخفض الإنتاج، ويغذي الضغوط التضخمية في الخدمات كثيفة العمالة.
كما تتضرر المجتمعات المحلية عندما تعيش العائلات ذات الأوضاع القانونية المختلطة في حالة عدم يقين طويلة، أو عندما تضطر المدن والولايات إلى الارتجال في ظل إشارات فيدرالية متقلبة. وحتى المؤيدون للتشدد قد يواجهون آثارًا غير مباشرة مثل ارتفاع الأسعار وتراجع توافر الخدمات وبطء مشاريع الإسكان والبنية التحتية.
اقتصاد الانتباه والإعلام السياسي
وأكدت تسوكرمان أن من بين الرابحين داخل الولايات المتحدة أيضًا رواد الإعلام السياسي واقتصادات الانتباه، من مؤثرين وجماعات ضغط ومنصات جمع تبرعات، فالرئاسة التي تزدهر على الصراع والرمزية عالية المخاطر والتحولات السردية السريعة تكافئ من يستطيع تحويل الاستقطاب والغضب والولاء إلى تمويل ونفوذ ونمو جماهيري. في المقابل، تخسر منظمات المجتمع المدني وهياكل الحكم المحلي التي تعتمد على بناء التوافق والعمل الهادئ طويل الأمد.
وعلى الصعيد الدولي، أوضحت تسوكرمان أن أوروبا تمثل حالة مركبة تنتج رابحين وخاسرين في آن واحد، بينما تقع الصين في قلب انقسام مشابه، وتبرز أوكرانيا وروسيا كنموذج مختلف تتداخل فيه المكاسب والخسائر مع السرديات والزمن.
وفي الشرق الأوسط، تعكس التطورات بوضوح آثار الدبلوماسية التعاملية، حيث يميل الرابحون إلى الحكومات القادرة على تحويل أولويات واشنطن إلى أوراق تفاوض، فيما يتضرر الفاعلون الذين يعتمدون على بناء مؤسسات طويلة الأمد أو أطر متعددة الأطراف.
ووفق هذا المنطق، قد تحقق إسرائيل مكاسب في مجالات معينة، بينما تواجه إيران خسائر استراتيجية رغم احتفاظها بقدرات تكتيكية على فرض التكاليف.
كما تبرز السعودية والإمارات كرابحين محتملين في بيئة تقوم على الصفقات، مع ما يرافق ذلك من مخاطر تتعلق بكلفة التوازن طويل الأجل.
مصر والأردن وتركيا
وأكدت تسوكرمان أن مصر والأردن يميلان إلى موقع الرابحين عندما تعطي واشنطن أولوية للنظام الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، واستقرار الحدود، حيث تقدم الدولتان نفسيهما كركيزتين للاستمرارية في بيئة مضطربة، وتستطيعان توظيف نفوذهما الدبلوماسي وإدارتهما للممرات الحساسة للحصول على دعم سياسي.
أما تركيا، فتحتل موقعًا وسطًا معقدًا، وقد يتحول هذا الغموض إلى ميزة بحد ذاته، إذ قد تنظر إليها إدارة تميل إلى الصفقات بوصفها حليفًا صعبًا لكنه لا غنى عنه في ملفات سوريا والبحر الأسود والناتو ومسارات الهجرة إلى أوروبا. ويمكن لأنقرة أن تحقق مكاسب عبر مقايضة التعاون في ملف بتنازلات في ملف آخر، لكنها قد تخسر أيضًا إذا أدى الطابع التعاملي إلى تعميق انعدام الثقة بسبب الخلافات المتكررة حول الدفاع والعمليات الإقليمية.

الصين ومعضلة الاستقرار
وفيما يخص الصين، أكدت تسوكرمان أن نهج المواجهة القائم على الرسوم والسياسة الصناعية وقيود التكنولوجيا يخلق رابحين بين التيارات المتشددة وبعض المنتجين المحميين وأجهزة الأمن.
وفي المقابل، فإن أي توجه نحو صفقات جزئية أو استقرار نسبي قد يعود بالفائدة على المصدرين والشركات متعددة الجنسيات والأسواق الباحثة عن قابلية التنبؤ. أما الخاسرون داخل الصين فعادة ما يكونون الشركات الصغيرة غير القادرة على إعادة توجيه سلاسل الإمداد بسرعة، والمستهلكين الذين يتحملون تقلبات الأسعار والتوافر.
وخلصت تسوكرمان إلى أن أسواق الطاقة وأمن الملاحة وسياسات التطبيع ودور الفاعلين من غير الدول تؤكد الفكرة المحورية نفسها أسلوب الحكم القائم على الصفقات يكافئ الفاعلين الأكثر مرونة وقدرة على المناورة، لكنه في الوقت ذاته يرفع كلفة عدم اليقين ويعمّق هشاشة الاستقرار على المدى الطويل.

أوروبا وفنزويلا
كما أن فنزويلا استيقظت مع بداية 2026 على اختفاء الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بسبب اتهاماتهما بتجارة المخدرات وإرهاب الممنوعات، ليكون النفط الفنزويلي تحت أعين الإدارة الأمريكية.
كما تترقب أوروبا أجواء مشحونة بوقوع محتمل للحرب بسبب سعي الولايات المتحدة للاستيلاء على جزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك.



