عاجل

في مصر احيانا لا تأتي الاخبار في سطر واحد بل في سطرين متجاورين كأنهما يضعان ضميرنا امام مرآة لا ترحم. سطر يرفع الرأس. وسطر يوجع القلب . هذا الاسبوع رأينا امرأة تعلو منصة مجلس النواب ورأينا سارة في قرية خزام بمركز قوص في قنا تتصدر المشهد كضحية في قصة ما تزال قيد التحقيق. لكن مجرد خروجها الى العلن كشف فجوة لا يجوز ان نعالجها بالمسكنات.  

ففي الاثنين 12 يناير 2026 افتتح مجلس النواب دور انعقاده. وترأست الجلسة الافتتاحية النائبة عبلة الهواري بوصفها اكبر الاعضاء سنا يعاونها في ادارة الجلسة اصغر عضوين بالمجلس سامية الحديدي وسجى هندي وكلتاهما في الخامسة والعشرين.  
هذه ليست لقطة  دعائية خاوية بل حقيقة و  اعلان عن تحول هادئ -لإستمرار تمكين المرأة المصرية سياسيا - لكنه عميق. فالدولة المصرية لم تعد ترى المرأة حضورا مكملا بل جزء من صورة الشرعية والقرار و الأهم حين أتي الرقم الذي يضع التحول في خانة المؤشر لا الأحلام و لا الانطباع حين أكد رئيس مجلس النواب  ان المجلس الحالي يضم 163 نائبة وهي اكبر نسبة تمثيل للمرأة في تاريخ المجالس النيابية بمصر.  
وبالتوازي جاء  قرار  رئيس الجمهورية بتعيين 28 عضوا بمجلس النواب بينهم 14 سيدة.  
هذه حقائق تحسب لمصر في تمكين المرأة داخل مؤسساتها  واعتراف رسمي بان حضور النساء لم يعد هامشا.
لكن هنا يظهر وجه اخر للحكاية. وجه لا تلمعه الاضواء. ولا تلتقطه الكاميرات الا بعد ان تقع الفاجعة.
في قرية خزام الهادئة بدأت التفاصيل تتسرب و التقارير الصحفية تحدثت عن وفاة فتاة داخل منزلها ثم اتسعت الرواية الى اتهامات ثقيلة بحق والدها الذي احتجاز داخل غرفة ومنعها من  الطعام و  انتهي الأمر  بالموت.  
لكن جوهر المشهد واحد فتاة تتحول غرفتها الى سجن وقرية كاملة تستيقظ متأخرة على صمت كان يجب ان يسمع مبكرا.
والمفاجأة التي تجعل القصة ابعد من كونها حادثة مفاجئة ان سارة حررت محضرا سابقا ضد والدها منذ اربع سنوات قالت فيه انه قيدتها داخل غرفة بحجة التأديب. ثم انتهى الامر وقتها بالتصالح وتعهد  والدها بعدم التعرض لها.  
هنا يصبح السؤال اقسى من التفاصيل لماذا لم تلتقط الاشارة ؟ 
انا لا اكتب لاثارة غضب مجاني ولا لتقديم محاكمة على الورق. اكتب لان مصر لا يجوز ان تكتفي بصورة المنصة مهما كانت مشرقة. يجب أن توفر حماية   لفتاة  بقىت محاصرة خلف باب دون شبكة حماية وصل قبل فوات الاوان.
الدولة التي فتحت المجال العام امام المرأة المصرية ورفعت تمثيلها تحت القبة لن تترك سارة وحيدة في الظل. فإنصاف الدولة  لسارة لن  يكون  الإ بالقانون . و نحن في انتظار ان يأخذ التحقيق  مداه و لن  نستبدل المحكمة بمنصة سوشيال تدين اليوم وتنسى غدا لان اسوأ ما يمكن ان يحدث للضحايا ان تتحول قصتهم الى ترند ثم تغلق الحكاية دون اصلاح يمنع التكرار.
قد يبدو أن المشهدان ليسا تناقضا عبثي بل فجوة تنفيذ. منصة البرلمان تقول ان مصر تقدمت في تمكين المرأة داخل المؤسسات. وقضية سارة اذا ثبتت وقائعها تقول ان التمكين لا يكتمل ما لم تمتد الحماية الى المساحات الخاصة البيت حين يصير خطرا والاسرة حين تتحول الى ساحة عنف.
ولهذا فان الدور الذي لا يحتمل التأجيل هو دور مجلس النواب حيث يجيء قانون الاسرة بوصفه لحظة انصاف لا ترف  و لا رفاهية تشريعية . قانون يسرع مسارات الحماية ويغلق ثغرات النزاع الاسري ويمنح اجراءات تدخل مبكر حين توجد مؤشرات خطر ويعامل العنف داخل البيت كخطر يستدعي حماية لا كخلاف عائلي يدفن بالصلح ثم نستيقظ  على جثة.
واتمنى ان ينصف الرئيس عبد الفتاح السيسي سارة بعين الاب. وان تنصفها الدولة بالقانون.

وفي النهاية النجاح الحقيقي ليس ان تصعد امرأة الى المنصة فقط  بل ان لا تموت سارة اخرى في الظل.
ليس المطلوب ان نختار بين صورة مشرقة وحقيقة موجعة المطلوب ان نكون جديرين بالصورتين معا. نفرح بما تحقق ونصلح ما انكشف لان مصر لا تستحق نصف حكاية.

تم نسخ الرابط