ما حكم تشريح جثة الميت .. وهل هناك ضوابط شرعية محددة؟
ما حكم تشريح جثة الميت؟ سؤال أجابته دار الإفتاء تشريح جثة الميت لبحثها علميًّا، أو للاستفادة بذلك في مجال الصحة العامة، أو لأخذ عضوٍ منها؛ جائزٌ شرعًا إذا اقتضته الضرورة الشرعية والمصلحة العامة، مع وجوب مراعاة الضوابط الشرعية، والالتزام بالإجراءات الطبية المنظِّمة، واختيار الأطباء الثقات، بما يضمن الابتعاد عن التلاعب بالإنسان المُكرَّم، وحفظ جسده من الامتهان.
ما حكم تشريح جثة الميت؟
إن نصوص الشريعة وقواعدها وأحكامها ترمي إلى تحقيق مصالح البشر، وضرورة المحافظة على أنفسهم من الآفات والأمراض؛ فأجازت أكل الميتة للمضطر بقدر ما يسدُّ رمقه، واعتبرت من أدلة الأحكام ما يُسمَّى بـ«المصالح المرسلة»، وهي التي لم يشهد لها أصلٌ شرعيٌّ من نصٍّ أو إجماع، لا بالاعتبار ولا بالإلغاء، ولكن يترتب على العمل بها تحقيق مصلحةٍ تتفق وأغراض الشريعة فيُعمل بها؛ ولذا وافق أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله تعالى عنهما على جمع المصحف بعد أن تحقق من أنه مصلحة في الدين، ونحو ذلك كثير.
وقد نُصَّ في أصول الفقه على أن: «كل أصلٍ شرعيٍّ لم يشهد له نصٌّ معيَّن، وكان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومأخوذًا معناه من أدلته، فهو صحيح يُبنى عليه».
كما نُصَّ فيه على أن: «كل ما يتوقف عليه ضروريٌّ من الضروريات الخمس، ومنها المحافظة على النفس، فهو ضروري».
وعلى هذا بنى الفقهاء كثيرًا من قواعدهم؛ كقاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات»، وقاعدة: «يُرتكب الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، وفرَّعوا على ذلك جواز الرمي إلى كفارٍ تترَّسوا بصبيان المسلمين وأسراهم أو تُجَّارهم؛ لأن في الرمي دفعَ الضرر العام بالذبِّ عن بيضة الإسلام، وقتل الأسير أو التاجر ضررٌ خاص، كما فرَّعوا جواز نقض حائطٍ مالَ إلى طريق العامة ولو أبى مالكها؛ دفعًا للضرر العام بتحمُّل الضرر الخاص، ومن قواعدهم: «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما».
ولذا نصَّ الحنفية على أنه: إذا ماتت حامل وولدها حيٌّ يضطرب شُقَّ بطنها ويُخرج ولدها؛ لأن الإضرار بالميت أخف من الإضرار بالحي، وقالوا: لو كان الولد ميتًا وخيف على الأم قطعته القابلة بآلة بعد تحقق موته وأخرجته؛ للسبب المذكور، ولو كان حيًّا لا يجوز تقطيعه، وعلَّلوا ذلك بأن موت الأم به أمر موهوم، فلا يجوز قتل آدميٍّ حيٍّ لأمرٍ موهوم.
وقالوا: لا يُشق الحي مطلقًا؛ لإفضائه إلى الهلاك.
فمن هذا كله نأخذ أنه: إذا اقتضت ضرورة المحافظة على الصحة العامة، أو ضرورة المحافظة على الأمن العام في حوادث الجنايات، تشريحَ جثةٍ لبحثها علميًّا وللاستفادة بذلك في الصحة العامة، أو أخذ عضوٍ منها كذلك؛ لم يكن في ذلك بأس، بل قد يكون واجبًا بناءً على القواعد المذكورة، ولموافقته لأغراض الشريعة؛ من ارتكاب الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وارتكاب الضرر الأخف لاتقاء الضرر الأشد، ولموافقته لما ذكره الفقهاء من الفروع. ولا يمنع من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لحفَّارٍ وجد عظم ميت فكسره: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» رواه أبو داود في «سننه»؛ لأن ذلك لم يكن لمصلحة.
وقول الفقهاء: لا يُشق الحي مطلقًا؛ لإفضائه إلى الهلاك، كان في زمانٍ لم يتقدَّم فيه الطب، فكان الغالب على الظن الهلاك، أما في زماننا وقد تقدَّم العلم والتشريح، وأصبح قريبًا من اليقين بالتجارب نجاةُ من شُقَّ بطنه لإصلاح فسادٍ فيه؛ فلا يكون الشق ممنوعًا، بل قد يكون واجبًا في بعض الحالات، وأعمال الطب الآن تجري على هذا الأساس.



