عاجل

في كل عام، ومع اقتراب بعض المناسبات الدينية أو الاجتماعية، تعود إلى الواجهة ظاهرة باتت مألوفة في الخطاب العام وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يمكن وصفها بـ "متلازمة الفتاوى الموسمية"؛ وهي فتاوى تظهر في توقيتات محددة، وتختفي بانقضائها، دون أن تكون نابعة من حاجة فقهية حقيقية أو اجتهاد علمي رصين، وإنما بهدف إثارة الجدل وفرض رؤية متشددة على واقع متنوع بطبيعته. ولعل أكثر هذه الفتاوى تكرارًا وإثارة للانقسام تلك التي تحرم تهنئة الإخوة المسيحيين بعيد الميلاد المجيد.
وغالبًا ما تقدم هذه الفتاوى باعتبارها "حكمًا شرعيًا قطعيًا"، في حين أن الواقع الفقهي والتاريخي يكشف عكس ذلك تمامًا. فالتراث الإسلامي زاخر بآراء معتبرة لعلماء وفقهاء فرقوا بوضوح بين ثوابت العقيدة التي لا تقبل المساومة، وبين المعاملات الإنسانية التي تقوم على البر وحسن الجوار والتعايش المشترك. وتهنئة غير المسلمين بمناسباتهم، وفق هذا الفهم، لا تعد إقرارًا بعقيدة، ولا مشاركة في شعائر، وإنما تعبيرًا عن إنسانية مشتركة وشراكة في الوطن.
وخلال عملي في متابعة الخطاب الديني والإعلامي، بدا واضحًا أن جوهر الإشكال لا يرتبط باختلاف فقهي حقيقي، بقدر ما يتصل بطبيعة الخطاب المتداول ومنصاته وتوقيته، وهو ما تؤكده الأرقام بوضوح. فحوالي 70% من فتاوى عيد الميلاد المتداولة تصدر عن شخصيات غير رسمية لا تملك أهلية الإفتاء، ولا تتحمل تبعات ما تصدره من آراء، بينما لا تتجاوز نسبة ما ينسب إلى المؤسسات الرسمية 30%، وغالبا ما يكون ذلك عبر اجتزاء أو تأويل خارج السياق. وفي المقابل، ظل موقف الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية واضحًا وثابتًا على مدار سنوات طويلة، مؤكدًا جواز تهنئة الإخوة المسيحيين، وأن ذلك لا يمس عقيدة المسلم، بل ينسجم مع مقاصد الشريعة وقيم المواطنة.
والأخطر من ذلك أن ما يقرب من 90% من فتاوى التيارات المتطرفة، تقوم على فكرة "العزلة المجتمعية". فهي لا تكتفي بتحريم التهنئة فحسب، بل تمتد إلى الدعوة للقطيعة، وتحريم صور متعددة من المعاملات اليومية، كالبيع والشراء والمعاملات الإنسانية، في تناقض صارخ مع السيرة النبوية المطهرة وتعاملات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ما استقر عليه عمل المسلمين عبر تاريخهم الطويل في مجتمعات متعددة الأديان والثقافات.
غير أن الضرر الحقيقي لهذه الفتاوى لا يقتصر على الإخوة المسيحيين وحدهم؛ فالمفارقة اللافتة أن نحو 99% من هذا الخطاب المتشدد طال المسلمين أنفسهم. فقد حرم عليهم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وغيره من المناسبات الدينية والاجتماعية، بزعم أنها "بدعة"، في تجاهل للخلاف الفقهي المعتبر، ولما درجت عليه الأمة عبر قرون من التدين الشعبي المتوازن. وهكذا، لم يعد التشدد أداة لإقصاء الآخر فحسب، بل تحول إلى سيف مسلط على الجميع.
ومن هنا، يمكن القول إن الفتاوى الموسمية، في نسختها المتشددة، لا تفرق بين مسلم ومسيحي في آثارها السلبية؛ فهي تصادر حق الفرح، وتضيق مساحات التلاقي الإنساني، وتقدم الدين في صورة قائمة من المحظورات، لا باعتباره منظومة من القيم والمقاصد. وباختصار شديد: في عالم الفتاوى الموسمية للمتشددين، كلنا "في الهوا سوا".
إن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة مجتمعية، ومسؤولية مشتركة لا تجب أن تقف عند حدود رد الفعل، ولكنها تقتضي دعم الخطاب الديني الرشيد الذي تمثله المؤسسات الدينية الوطنية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف، والعمل على تجفيف منابع الفتاوى غير المنضبطة، حماية للدين من التشويه، وحفاظًا على السلم المجتمعي، وصونا للأخوة الإنسان التي لا تقوم الأوطان إلا بها.

تم نسخ الرابط