المال نعمة تهذب بالعفة لا بالسؤال.. رسالة دعوية من مسجد السيدة نفيسة
نظمت وزارة الأوقاف ندوة علمية بمسجد السيدة نفيسة رضي الله عنها، حاضر فيها الدكتور إبراهيم صوفي، من علماء الأزهر الشريف ، تناول خلالها المنهج الإسلامي في التعامل مع المال، وحكم التسول وسؤال الناس، في ضوء النصوص الشرعية وأقوال العلماء.
وأوضح الشيخ إبراهيم صوفي أن حب المال من الشهوات التي أودعها الله تعالى في فطرة الإنسان، مؤكدا أن الشهوات في أصلها لم تخلق عبثًا، وإنما لتحقيق مصالح العباد وجلب المنافع لهم، بما يعين الإنسان على عمارة الأرض وتيسير مهمته في الحياة. وبيّن أن الإسلام لا يصادم الفطرة، وإنما يهذبها ويضبط مسارها، لافتا إلى أن واجب الإنسان أن يتعامل مع المال وفق مراد الله تعالى، لا وفق هوى النفس أو شهوة التملك المجردة.
الالتزام بالمنهج الشرعي
وأكد إبراهيم صوفي أن التزام المسلم بالمنهج الشرعي في الكسب والإنفاق والتصرف في المال يثمر عفة في النفس، وطمأنينة في القلب، واستقامةً في السلوك، مشيرًا إلى أن المال إذا دخل حياة الإنسان من بابه المشروع، وصُرف في وجوهه الصحيحة، كان نعمةً تعينه على الطاعة، لا فتنةً تجره إلى الانحراف.
وانتقل الشيخ إبراهيم صوفي للحديث عن حكم التسول وسؤال الناس، مستشهدًا بكلام الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين”، حيث قرر أن الأصل في السؤال والتحايل على أموال الناس هو التحريم، ولا يُباح إلا لضرورة حقيقية أو حاجة ملحة قريبة من الضرورة. وأوضح أن الإمام الغزالي بيّن أن السؤال لا ينفك غالبًا عن محاذير شرعية خطيرة.
وقال “صوفي” : إن السؤال في حقيقته إعلان للفقر والفاقة بين الخلق، مع أن المؤمن مأمور بحسن الظن بربه، والتوكل عليه، واستمداد العون منه قبل غيره. أما المحذور الثاني، فهو إذلال السائل لنفسه لغير الله تعالى، وهو ما يتنافى مع كرامة المؤمن التي كفلها له الإسلام، إذ لا يجوز للمؤمن أن يضع نفسه موضع المهانة والذل إلا بين يدي ربه سبحانه.
والمحذور الثالث، أن السؤال غالبًا ما يتضمن إيذاءً للمسؤول، لأن نفس الإنسان قد لا تطاوعه على البذل، فيقع في حرج أو ضيق بسبب الطلب.
ودعّم الشيخ إبراهيم صوفي حديثه بعدد من الأحاديث النبوية الشريفة، من بينها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث أُقسِمُ عليهنَّ وأُحدِّثُكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظُلِم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلَّا زاده اللهُ عزًّا، فاعفوا يُعزَّكم اللهُ، ولا فتح عبدٌ بابَ مسألةٍ إلَّا فتح اللهُ عليه بابَ فقرٍ»، مؤكدًا أن الحديث يرسم ميزانًا دقيقًا في علاقة الإنسان بالمال، ويكشف أن البركة ليست في كثرة الأخذ، وإنما في العطاء، والصبر، والعفة.
كما استشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ثوبان رضي الله عنه: «من يكفلُ لي أن لا يسألَ الناسَ شيئًا أتكفَّلُ له بالجنة»، قال ثوبان: فقلتُ: أنا، فكان لا يسألُ أحدًا شيئًا. وعلّق الشيخ على الحديث مؤكدًا أنه يرسّخ قيمة التعفف، ويُعلي من شأن الاستغناء بالله، ويجعل العفة عن أموال الناس طريقًا من طرق الفوز بالجنة.
و شدد الشيخ إبراهيم صوفي على ضرورة إحياء قيم العمل والاعتماد على النفس، وغرس معاني القناعة والعفة في المجتمع، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، مؤكدًا أن الإسلام يدعو إلى الكرامة الإنسانية، ويغلق أبواب الفقر المعنوي قبل المادي، حين يربي النفوس على التوكل، والسعي، وعدم مدّ اليد إلا عند الاضطرار الحقيقي.



