عاجل

الأوقاف: حرية المعتقد في الإسلام أصل شرعي وتجربة حضارية ضمنت حقوق غير المسلمين

التعايش في الإسلام
التعايش في الإسلام

أكدت وزارة الأوقاف أن حرية المعتقد في الإسلام ليست مجرد طرحٍ نظري أو خطابٍ دعائي، وإنما هي أصلٌ شرعي راسخ، وتجربة تاريخية موثقة، قامت عليها الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى، مستندة إلى نصوص قطعية من القرآن الكريم، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتطبيقات عملية جسدها الخلفاء الراشدون ومن تبعهم من علماء الأمة وفقهائها، بما يضمن صيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق السلم المجتمعي، وحفظ الحقوق الدينية والاجتماعية لجميع المواطنين دون تمييز.


وأوضحت وزارة  الأوقاف أن التاريخ، قديمه وحديثه، لم يعرف دولة قامت على فكرة دينية ونجحت في تحقيق المساواة بين المؤمنين والمخالفين مثلما عرف عن الإسلام ودولته، مشيرة إلى أن أول ما يلفت النظر في هذا النموذج الحضاري هو إقرار حرية المعتقد لجميع المقيمين على أرض الدولة الإسلامية، انطلاقًا من القاعدة القرآنية المحكمة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، وهي قاعدة تأسيسية تحظر الإكراه في الاعتقاد، وتمنع الفتنة الدينية، وترسخ مبدأ التعايش القائم على العدل والاحترام المتبادل.


وأوضحت وزارة الأوقاف أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص في عهوده ومواثيقه كافة على تقرير هذه الحرية وصيانتها، فجاءت صحيفة المدينة لتؤكد بوضوح أن «للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم»، كما ورد في كتابه صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن: «من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُفتن عنها»، وهو ما يعكس إقرارا صريحًا بحرية العقيدة، وحماية الانتماء الديني دون إكراه أو تضييق.


وأضافت الوزارة أن هذا المعنى تأكد بصورة جلية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران، حيث ضمن لهم الأمان على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم، وغائبهم وشاهدهم، وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، مؤكدًا عدم تغيير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، في صورة متكاملة من صور الحماية الدينية والاجتماعية والإنسانية.


وأشارت إلى أن السماحة النبوية بلغت ذروتها حين أذن النبي صلى الله عليه وسلم لوفد نجران بالإقامة في مسجده الشريف، والسماح لهم بأداء عبادتهم فيه، في مشهد تاريخي بالغ الدلالة، يعكس عمق التسامح الإسلامي، واحترام الآخر، وترسيخ قيم الحوار والتعارف الإنساني.
وأكدت وزارة الأوقاف أن الخلفاء الراشدين ساروا على النهج النبوي ذاته، فجسّدوا هذه المبادئ في سياسات الدولة وممارساتها العملية، فكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى نصارى بني تغلب مؤمِّنًا لهم حريتهم الدينية، غير مكرهين على ترك دينهم، كما جاء عهده الشهير لأهل إيلياء (القدس) ليقرر الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وألا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنقص منها ولا من حيزها، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم.


ولفتت الوزارة إلى أن هذا النهج تكرر في عهود قادة الفتح الإسلامي، حيث كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه لأهل دمشق عهدًا يؤمّنهم فيه على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم، مؤكدة أن هذه الشواهد التاريخية المتعددة تثبت أن غير المسلمين في الدولة الإسلامية كانوا يتمتعون بحرية الاعتقاد، وممارسة الشعائر، وصيانة دور العبادة، دون تدخل أو إكراه، ما دام ذلك في نطاق الاعتقاد والعبادة، ودون إضرار بالمجتمع أو اعتداء على عقائد المسلمين.
وبيّنت وزارة الأوقاف أن الفقه الإسلامي لم يكتفِ بإقرار حرية المعتقد، بل أسّس منظومة أخلاقية وإنسانية متكاملة لحقوق غير المسلمين، كما قررها كبار الفقهاء، وفي مقدمتهم الإمام القرافي، الذي حدّد حقوق أهل الذمة في الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم، واحتمال أذاهم في الجوار، والدعاء لهم بالهداية، ونصحهم في شؤون دينهم ودنياهم، وحفظ أموالهم وأعراضهم وعيالهم، والدفاع عنهم ورد الظلم عنهم، مؤكدة أن هذه الرؤية لم تكن رأيًا فرديًا، وإنما هي منهج عام سار عليه فقهاء الأمة عبر العصور.
وأضافت الوزارة أن الشريعة الإسلامية ساوت بين المسلمين وغير المسلمين في حرمة الدماء والأموال والأعراض، وأوجبت الدفاع عنهم إذا تعرضوا لعدوان خارجي، باعتبارهم في ذمة الله ورسوله، وهو ما قرره فقهاء كبار، كابن حزم وغيره، حين أكدوا وجوب القتال دفاعًا عن أهل الذمة وصونًا لعهدهم، وعدّوا التفريط في ذلك إهمالًا لعقد الذمة وخيانة لمقتضاه.


وأكدت وزارة الأوقاف أن هذا النموذج الحضاري لم يكن حبرًا على ورق، بل واقعًا معاشًا شهد به المنصفون من غير المسلمين، ومنهم المستشرق الإنجليزي توماس أرنولد، الذي أقر بأن طوائف أهل الذمة في ظل الحكم الإسلامي نعمت بدرجة من التسامح الديني لم تعرفها في عصور سابقة، وأن الإسلام وضع من القواعد ما يحول دون إثارة التعصب الديني، ويحفظ السلم المجتمعي.


وشددت الوزارة على أن اتساع أحكام الإسلام لاستيعاب أجناس متعددة وعقائد متباينة داخل المجتمع الواحد، اقترن بفرض واجبات عامة تضمن حفظ النظام العام، وصيانة مصالح الأمة، من خلال خضوع الجميع لأحكام الدولة العامة في المعاملات المدنية والجنائية، والامتناع عن الإضرار بالمجتمع، واحترام العقائد والشعائر الإسلامية، مؤكدة أن هذه الضوابط لا تنتقص من الحقوق، بل تحقق التوازن بين الحرية والمسؤولية.
وأكدت وزارة الأوقاف بيانها بالتأكيد على أن نموذج الدولة الإسلامية في إقرار حرية المعتقد، وحماية حقوق غير المسلمين، والدفاع عنهم، يبرهن على عالمية الإسلام، وصلاحيته لبناء مجتمعات متماسكة تقوم على العدل، والرحمة، والتعايش، والعيش المشترك، بعيدًا عن الإقصاء أو الإكراه أو التمييز.

تم نسخ الرابط