ما حكم الشرع في عمل الوليمة في شهر رجب؟.. دار الإفتاء توضح
سؤال يتردد مع دخول شهر رجب، أحد الأشهر الحُرُم التي عظَّمها الشرع، وارتبط في الوعي الشعبي ببعض العادات الاجتماعية، وفي مقدّمتها إقامة الولائم وإطعام الطعام وجمع الناس عليه.
ما حكم الشرع في عمل الوليمة في شهر رجب؟
أكدت دار الإفتاء عملُ الوليمةِ في شهر رجب جائزٌ شرعًا، سواءٌ كان ذلك بإطعامِ الطعامِ وجمعِ الناسِ عليه، وهو أمرٌ مندوبٌ إليه شرعًا، أو كان ذلك بالذبيحةِ التي تحصلُ في هذا الشهرِ والتي تُسمَّى العتيرة، وقد دلَّت نصوصُ السُّنَّةِ النبويةِ على استحبابِها، مع مراعاةِ عدمِ الإسرافِ والتبذير، وألَّا تتضمَّنَ محرَّمًا في المطعمِ والمشربِ والمفرش، أو شيئًا من اللهوِ المحرَّم، وألَّا يُخَصَّ فيها الأغنياءُ دون الفقراء؛ تحقيقًا لمعاني الإحسانِ والأدبِ وجبرِ الخواطر.
بيان معنى الوليمة
لفظ الوليمة مشتق من الوَلْم، وهو الاجتماع، والمشهور استعمالها مطلقة عن أيّ قيد في وليمة العُرس، وتستعمل في غيره بقيد، وتقع على كل طعام يُتَّخذ لسرور حادث من عرسٍ وغيره، وتحصل الوليمة بالذبح وغيره، وكل ما يصدق عليه معنى الطعام، وهي باللحم أفضل عند القدرة على تحصيله؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِلَالًا بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْن» أخرجه البخاري.
يقول الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح: إعلامٌ بأنَّه ما كان فيها من طعام أهل التَّنعُّم والتَّترُّف، بل من طعام أهل التَّقشُّف من التمر والأقط والسمن.
حكم عمل الوليمة في شهر رجب
عمل الوليمة في شهر رجب: إما أن تكون بإطعام الطعام وجمع الناس عليه، وإما أن تكون بالذبيحة التي تحصل في هذا الشهر وإطعام الناس منها.
أما إطعام الطعام، فهو من جملة الأعمال المستحبة التي يصح إيقاعها في أي وقت، وفضلها معلوم كما تقدم، بالإضافة إلى كون إيقاعه في زمان مفضَّل وهو شهر من الأشهر الحرم مما يعطيه مزيد فضل.
وأما ذبيحة رجب، فقد تواردت نصوص السنة النبوية المشرفة الدالة على استحباب الذبح في شهر رجب تقربًا إلى الله تعالى.
فقد جاء عن مخنف بن سليم رضي الله عنه قال: كنا وقوفًا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرفة، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النَّاسُ الرَّجَبِيَّةَ» أخرجه الأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي.
وجاء عن حبيب بن مخنف رضي الله عنه قال: انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة، قال: وهو يقول: «هَلْ تَعْرِفُونَهَا؟» قال: فما أدري ما رجعوا عليه، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَنْ يَذْبَحُوا شَاةً فِي كُلِّ رَجَبٍ، وَكُلِّ أَضْحَى شَاةً» رواه الأئمة أحمد، وعبد الرزاق في المصنف، والطبراني في المعجم الكبير.
وعن الحارث بن عمرو رضي الله عنه، أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع: يا رسول الله، الفرائع والعتائر، قال: «مَنْ شَاءَ فَرَّعَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ، وَمَنْ شَاءَ عَتَرَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ، فِي الْغَنَمِ أُضْحِيَّةٌ» أخرجه الأئمة النسائي، وأحمد، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في التلخيص.
وهذه الذبيحة سأل الصحابة رضوان الله عليهم عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا كنا نعتِر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: «اذْبَحُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا لِلَّهِ، وَأَطْعِمُوا» أخرجه الأئمة النسائي وابن ماجه وأحمد.
فأعلمهم صلى الله عليه وآله وسلم أن الذبيحة التي تُذبح في رجب أو غيره ما دامت لله تعالى فهي جائزة ولا حرج فيها.
قال الإمام المناوي في فيض القدير: «اذْبَحُوا لِلَّهِ» أي: اذبحوا الحيوان الذي يحل أكله إن شئتم، واجعلوا الذبح لله، «فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ» رجبًا أو غيره، «وَبَرُّوا» أي: تعبدوا، «لِلَّهِ، وَأَطْعِمُوا» أي: الفقراء وغيرهم.
فأفادت هذه النصوص جواز ذبح الذبائح في شهر رجب، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وابن سيرين، وأهل البصرة، الذين ذهبوا إلى استحباب العتيرة في شهر رجب، تقربًا إلى الله تعالى، وتعظيمًا لهذا الشهر الحرام، وإظهارًا لما له من الفضل في الشرع الحنيف.
قال الإمام النووي في المجموع في ذكر ذبيحتي الفرع والعتيرة: الصحيح الذي نص عليه الشافعي واقتضته الأحاديث أنهما لا يُكرهان، بل يُستحبان، هذا مذهبنا.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: أحاديث الباب يدل بعضها على وجوب العتيرة، وهو حديث مخنف، وحديث نبيشة، وحديث عائشة رضي الله عنهم، وحديث عمرو بن شعيب، وبعضها يدل على مجرد الجواز من غير وجوب، وهو حديث الحارث بن عمرو، وأبي رزين، فيكون هذان الحديثان كالقرينة الصارفة للأحاديث المقتضية للوجوب إلى الندب.
وقال العلامة برهان الدين ابن مفلح في المبدع: نقل حنبل عن أحمد: يُستحب العتيرة، وحكاه أحمد عن أهل البصرة، وروي عن ابن سيرين؛ لما تقدم من قوله عليه السلام: «عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ أُضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ».
بيان المراد من النهي الوارد في حديث: «لا فرع ولا عتيرة»
أما ما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا فرع ولا عتيرة» متفق عليه، فقيل إن المراد نفي الوجوب، وقيل نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، وقيل إن الوارد أنهما ليستا كالأضحية في الاستحباب أو ثواب إراقة الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة. ينظر: المجموع للإمام النووي.



