رمزا للطهر والعفاف.. كيف خلد القرآن ذكر السيدة مريم بنت عمران (أم المسيح)؟
السيدة مريم أم المسيح في القرآن الكريم، هي واحدة من النساء التي نالت حظًا وافرًا من الثناء والتكريم، فهي سيدة النساء، ومع الاحتفاء بذكرى ميلاد المسيح لا يمكن الغفلة عن والدته ومكانتها في الإسلام، فكيف خلد القرآن الكريم السيدة مريم؟
حديث القرآن عن السيدة مريم
يقول د/ طه الوزيري أستاذ الدعوة الإسلامية بالأزهر: لقد تحدث القرآن الكريم كثيرا عن السيد المسيح –عليه السلام- وأمه، تحدث عن حمله وولادته ودعوته لقومه، وتحدث عن ادعاءات قومه عليه، ورفعه إلى السماء.
وبين أن القرآن الكريم عند حديثه عن المسيح تارة يسميه المسيح، وتارة يسميه عيسى ابن مريم، مشيرًا إلى أن حديث القرآن الكريم عن السيدة مريم –رضى الله عنها-: لا توجد امرأة في القرآن الكريم حظيت بمثل المكانة التي حظيت بها السيدة مريم بنت عمران، حتى إن سورة كاملة في القرآن الكريم سميت باسمها.
حديث القرآن عن السيدة مريم قبل ولادتها
وأكد: لقد أصبحت السيدة مريم رمزا للطهر والعفاف، رمزا للإيمان والثبات، وإن القرآن الكريم تحدث عنها قبل أن تولد على أنها منذورة لله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفي آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. (آل عمران 33: 37).
ففي هذه الآيات يخبر الحق تعالى عن البيت الذى ولدت فيه السيدة مريم، إنه بيت الدين والإيمان، بيت اصطفاه الله تعالى لتقواه، فقد اصطفي الله عمران (والد السيدة مريم)، اصطفاه وآله كما اصطفي آدم ونوحا وآل إبراهيم، والآل هنا تدخل فيه زوجة عمران وبنتها وولد بنتها، فليس في نسله –عمران- إلا مصطفا من الله يقينا، لأن نسله توقف عند المسيح.
ولما كانت امرأة عمران مخلصة في دعوتها كانت الإجابة تتضمن زيادة فضل على ما دعت به: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران:٣٧).
ما سر كفالة نبي الله زكريا لمريم؟
ولفت إلى أن كفالة نبي الله زكريا –عليه السلام- لمريم هى كفالة اختارها الله تعالى، فقد تنافس القوم في كفالتها، وقد اختار الله لها زكريا: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾. (آل عمران: ٤٤).
وإذا كان القرآن الكريم أخبرنا أن الله اصطفي والد ووالدة السيدة مريم، وكذلك هى وابنها، فإنه يخبرنا عن اصطفاء خاص للسيدة مريم –رضى الله عنها-: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. (آل عمران :٤٢- ٤٣).
وتابع: الناظر في الآية يجد اصطفائين، الاصطفاء الأول: اصطفاء اختيار لها لطاعته، والاصطفاء الثانى: اصطفاء تفضيل وميزة لها على غيرها – ولادة المسيح دون أب -، وما بين الاصطفائين فهى الطاهرة المطهرة من كل قول أو فعل أو اعتقاد خاطئ.
بشارة السيدة مريم بالمسيح
وعن بشارة السيدة مريم – رضى الله عنها – بالمسيح يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. (مريم 16: 21).
السيدة مريم ونبي الله عيسى.. قصة الحمل والولادة الشريفة
وعن حمل السيدة مريم بالمسيح يقول تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. (مريم 22: 26).
مريم وقومها بعد وضع عيسى
وعن مواجهتها لقومها بالمولود يقول تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. (مريم ٢٧: ٣٣).
حينما رآها قومها ظنوا فيها السوء، واستنكروا فعلها، ورأوا أنها دنست بيت الطهر والعفاف الذى خرجت منه، حتى أنهم ذكّروها بعفافها وصلاحها وأنها كانت مضرب المثل، وأنها مشابهة لهارون في الصلاح، فـ (أخت هارون) تعنى المشابهة، وليست أخوة النسب.
وهنا تشير السيدة مريم –رضى الله عنها – إلى المسيح وهو رضيع ليتولى الدفاع عن نفسه وعن أمه الطاهرة الشريفة التقية، وينطقه الله لتكون ولادته آية وطلاقة لسانه آية، ولتكون براءة أمه على لسانه وهو رضيع أصدق من غيرها.
وعن طهارة السيدة مريم وعفتها يقول تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. (الأنبياء 91).
تبرئة القرآن الكريم للسيدة مريم
ونلحظ في حديث القرآن عن السيدة مريم أن التركيز كان على تبرئتها مما نسبه اليهود إليها من الزنا، بل إن القرآن توعدهم على ذلك وجعل اتهامهم للسيدة مريم في عرضها مساويا لكفرهم: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. (النساء 156).
والناظر إلى تبرئة الحق تعالى للسيدة مريم يراه قد سلك ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: تبرئة الله تعالى لها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء 91).
المسلك الثانى: تبرئتها على لسان ولدها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم 32، 33).
المسلك الثالث: تبرئتها على لسانها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾ (مريم 20).
بل إن تاريخها الناصع الطاهر شهد به من اتهمها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. (مريم 28).
الصديقة مريم عليها السلام
وقد أسبغ القرآن الكريم على السيدة مريم لقب (صديقة) يقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ". (المائدة 75).
وشدد: خلاصة حديث القرآن عن السيدة مريم تتمثل في أنها: مصطفاه، مطهرة، صديقة، قانتة، ساجدة راكعة، محصنة عفيفة، آية للعالمين. وهذه المكان العالية للسيدة مريم في القرآن الكريم لا تجدها في أي كتاب آخر.




