عاجل

يجلس خمسة عشر كرسياً حول طاولة القرارات الأكثر مصيرية في العالم، لكن الكراسي الخمسة المكسوة بالقماش الأزرق الداكن هي وحدها التي تحمل ثقل التاريخ وسلطة الفيتو، تلك الكلمة اللاتينية الصغيرة التي تعني "أنا أمنع"، والتي تمكن أصحابها من تجميد إرادة العالم بأسره في لحظة.

هذا المشهد الذي تجمد منذ عام ١٩٤٥، حين خرج المنتصرون في الحرب العالمية الثانية ليصنعوا نظاماً عالمياً يحفظ انتصارهم، أصبح اليوم أشبه بصرح أثري في عالم سريع التغير فالعالم الذي كان يدار من قبل خمس قوى عظمى قد تحول إلى عالم متعدد الأقطاب، حيث تبرز قوى إقليمية كبرى مثل الهند والبرازيل وألمانيا واليابان وجنوب أفريقيا ونيجيريا، تطالب بمقعد على طاولة القيادة العالمية، لا أن تبقى زواراً مؤقتين في الكراسي غير الدائمة المطالبة بالإصلاح لم تعد مجرد أمنية للبعض، بل تحولت إلى ضرورة وجودية لمصداقية النظام الدولي بأسره، خاصة عندما نرى مجلس الأمن عاجزاً عن وقف مجازر بسبب الفيتو، أو مشلولاً أمام أزمات إقليمية لأن مصالح دائمة تتصادم.

التحدي الأكبر في أي إصلاح يكمن في التناقض الصارخ بين منطقين منطق الفعالية الذي يقتضي بقاء المجلس محدود العضوية وسريعاً في اتخاذ القرارات، ومنطق الشرعية الذي يطالب بتمثيل أكثر إنصافاً للقارات والشعوب كيف نوسع العضوية دون أن نحول المجلس إلى برلمان عالمي بطيء ومتشرذم وأي الدول تستحق مقعداً دائماً المعادلة شائكة، فكل منطقة لها مرشحوها المتنافسون في آسيا، تتنافس الهند واليابان في أفريقيا، تطالب كل من جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر في أمريكا اللاتينية، تتصدر البرازيل المطالبة وفي أوروبا، تطالب ألمانيا بمقعد دائم، مما يثير حفيظة إيطاليا وإسبانيا هذا التنافس الإقليمي بحد ذاته قد يقتل أي إصلاح قبل أن يبدأ، إذا لم يتم التوصل إلى صيغة توفيقية ذكية.

الرؤى الجديدة للإصلاح لم تعد تقتصر على مجرد إضافة مقاعد دائمة جديدة، بل تطرح نماذج مبتكرة بعض المقترحات يتحدث عن فئة جديدة من "العضوية الدائمة شبه الدائمة"، حيث تنتخب دول من كل إقليم لفترات طويلة قابلة للتجديد، كحل وسط بين النظام الحالي والمطالب الجذرية مقترحات أخرى تذهب إلى أبعد من ذلك، فتدعو إلى إلغاء حق الفيتو تماماً، أو تقييد استخدامه في حالات الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، أو استبداله بنظام "الفيتو المزدوج" الذي يتطلب معارضة أكثر من دولة دائمة لإسقاط القرار وهناك من يرى أن الإصلاح الحقيقي لا يكون في العضوية فقط، بل في تحسين أداء المجلس عبر زيادة الشفافية في عمله، وتعزيز التعاون مع الجمعية العامة والمنظمات الإقليمية، ووضع معايير موضوعية لاستخدام الفيتو.

لكن العقبة الحقيقية تكمن في أن أصحاب حق الفيتو الحاليين – الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا ليسوا متحمسين لتقليص امتيازاتهم أو مشاركة سلطتهم مع دول جديدة فالإصلاح يحتاج إلى موافقتهم، وهو ما يشبه طلب من يملك مفاتيح القلعة أن يتنازل عنها طوعاً لهذا تجد أن محادثات الإصلاح التي تدور منذ عقود في أروقة الأمم المتحدة تدور في حلقة مفرغة، تنتج تقارير طويلة وجلسات حوار لا تنتهي، ولكن دون أي تقدم ملموس على الأرض ومع ذلك، فإن الضغط المتزايد من الدول النامية، وتصاعد الأزمات العالمية التي يعجز المجلس عن معالجتها، يخلقان زخماً جديداً قد يفرض التغيير يوماً ما، حتى لو كان تدريجياً.

مستقبل مجلس الأمن مرتبط بمستقبل الحوكمة العالمية فإما أن يستمر كـ "نادي خاص" يفقد شرعيته وبالتالي فعاليته تدريجياً، حتى يصدر قراراته في فراغ لا يحترمه أحد، وإما أن يخضع لإصلاح جريء يجعله مرآة للقرن الحادي والعشرين، لا أن يكون نصباً تذكارياً للقرن العشرين الإصلاح ليس ترفاً، بل هو استثمار في نظام دولي قادر على مواجهة التحديات المشتركة، من تغير المناخ إلى الإرهاب إلى الأوبئة المجلس الموسع والعادل والفعال ليس هدية للدول الطامحة، بل هو ضرورة للبشرية جمعاء إذا أرادت أن تحكم نفسها بعقلانية وسلام في عالم معقد ومترابط.

تم نسخ الرابط