أستاذ طه الفشني ورائد فن الإنشاد وزعيم مدرسته
رائد مدرسة التلاوة وقارئ مسجد الإمام الحسين الأشهر.. الشيخ علي محمود
حين تشكلت ملامح دولة التلاوة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، لم تكن مجرد مرحلة ازدهار لأصوات متميزة، بل كانت مشروعا حضاريا متكاملا، جمع بين حفظ القرآن، وإتقان علومه، والالتزام بالأداء المنضبط، والوعي بالمقامات الصوتية في إطارها التعبدي الرصين.
وفي مصر التي أنجبت أعلاما خالدين، برزت قامات كبرى صنعت للقرآن حضورا مهيبا في الوجدان المصري والعربي، وكان الشيخ علي محمود واحدا من أبرز رموزها، ورائدا من روّاد مدرسة التلاوة والإنشاد، وصوتا مؤسسا ترك أثرا عميقا في مسيرة القراءة والإنشاد الديني.
نشأته وتكوينه العلمي
ولد الشيخ علي محمود عام 1878م بحارة درب الحجازي التابعة لقسم الجمالية بالقاهرة، لأسرة ميسورة الحال، وفي طفولته أُصيب بفقدان البصر، فكان ذلك سببًا في تعلقه المبكر بالقرآن الكريم، حيث التحق بالكُتّاب وحفظ القرآن صغيرًا، ودرس علومه على أيدي كبار علماء عصره.
حفظ القرآن على يد الشيخ أبي هاشم الشبراوي، ثم جوّده وتلقّى القراءات عن الشيخ مبروك حسنين، ودرس الفقه على يد الشيخ عبد القادر المزني، كما حفظ الموشحات وتعلّم فنونها على يد الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب، وهو ما أسهم في تكوين شخصيته الصوتية والعلمية المتفرّدة.
مكانته وشهرته
بفضل هذا التكوين الراسخ، إلى جانب موهبته الصوتية الفذة، تصدّر الشيخ علي محمود المشهد الديني قارئا ومنشدا، وأصبح قارئ مسجد الإمام الحسين الأشهر، وعلا شأنه بين العامة والخاصة، وتميّز بقدرة نادرة على الجمع بين خشوع التلاوة وجمال الأداء، حتى غدا حديث عصره.
ومن مظاهر تفرده أنه كان يؤذّن لصلاة الجمعة في مسجد الحسين كل أسبوع على مقام مختلف، في أداء يجمع بين الإبداع والانضباط، ويعكس فهمًا عميقًا لفنون المقامات في سياقها التعبدي.
رائد فن الإنشاد وزعيم مدرسته
لم يقتصر دور الشيخ علي محمود على التلاوة، بل كان إمام المنشدين ورائد فنّ الإنشاد، وزعيم مدرسة فنية أصيلة أسهمت في تطوير الأساليب والأنغام والجوابات دون خروج عن روح العبادة. وبفضل هذه المدرسة، صار مرجعًا لمن جاء بعده، ليس في مصر وحدها، بل في أنحاء العالم الإسلامي، وأُطلق عليه بحق أحد المؤسسين الحقيقيين لدولة التلاوة المصرية.
تلاميذه وأثره في الأجيال
كان للشيخ علي محمود دور بارز في اكتشاف المواهب ورعايتها، فخرج من كنفه عدد من أعلام التلاوة والإنشاد. ومن أشهر من تنبّه لموهبتهم مبكرًا الشيخ محمد رفعت، إذ استمع إليه عام 1918م وتنبّأ له بمستقبل باهر، ليصبح لاحقًا صوت الإسلام الصادح وسيد قراء مصر.
كما كان من تلاميذه الشيخ طه الفشني، الذي استفاد من خبرته حتى صار سيد فن الإنشاد بعده، إلى جانب الشيخ كامل يوسف البهتيمي وغيرهم من النوابغ الذين حملوا راية هذا الفن الأصيل.
تسجيلاته وإرثه الصوتي
ترك الشيخ علي محمود عددا محدودا من التسجيلات القرآنية، من بينها تلاوات لسور: الأنفال، يوسف، الكهف، مريم، الأنبياء، القيامة، وقصار السور، وهي محفوظة بمكتبة الإذاعة المصرية ويُذاع بعضها حتى اليوم، إلى جانب عدد من الأناشيد والموشحات التي توثّق لمدرسته في الأداء والإنشاد.
وبذلك يبقى الشيخ علي محمود حاضرًا في تاريخ التلاوة المصرية بوصفه رائد مدرسة التلاوة، وقارئ مسجد الإمام الحسين الأشهر، وأحد أعمدة دولة التلاوة، وصوتًا مؤسِّسًا أسهم في رسم ملامح عصرٍ ذهبي لا يزال أثره ممتدًا في مسيرة القرّاء والمنشدين.



