بدافع الاستسهال والاستهبال، ولغياب الوازع الديني والأخلاقي، تفشّت في الشارع المصري سلوكياتٌ مَقيتة أشبه بسرطان انبرى ينهشُ فى جسم مُجتمعنا، ولن يتركَه إلا جثةً هامدة لا تقوى على الحراك، رفع أصحابُها لتبرير تصرفاتهم شعارا فاسدا عنوانه (معلش).
و(معلش) هي كلمةُ اعتذارٍ عامية، يُعبِّر بها صاحبُها عن أسفه على ما بدر منه من خطأ أو سوء تصرف.
وبمراجعة واقعنا المصري المعيش، نجد نماذج كثيرة لهذا الشعار المُعوِّق، ولأنَّه يكفى من القلادة ما أحاط بالعُنق فنشيرُ إلى بعضها، عسى أن تتمعرَ وجوه أصحابها خجلا، ويكفُّوا عن رفع هذا الشعار المقيت !
أولُ هذه النماذج على سبيل المثال لا الحصر أنَّه بدعوى شدة الحر، وأنَّه فى حاجة إلى أن (يُرطب على صدره)، ترى قائد حافلةٍ كبيرة أو أتوبيس نقل ركاب يقفُ فى نهر الطريق مُعطِّلا حركة السير ليعُبَّ كوبا من التمر هندي أو العرقسوس وخلافه، غير مُلتفتٍ لإشارات التنبيه التي يكثر ضجيجُها خلفه، والتي تُعبِّر عن استياء أصحابها من صنيعه، الذي عطَّلهم عن مصالحهم، وربما يتعرضون بسببه لجزاءات وخصومات، وبسؤال مُقترِف ذلك الفعل الأثيم، تأتى إجابتُه ( معلش.. الجو حر).
ظاهرةٌ أخرى تسللت إلى شارعنا تسلل الحية الملساء في ظلمة الليل، وهى المُغالاة في التعبير عن الفرح والحزن، إذ تتصدر أفراحنا زفةٌ كبيرة يتقدمها المزمار البلدى والطبل، الذي يملأ حياتنا صخبا وضجيجا، دون مُراعاة لمريض يشتهي النوم أو مُسنٍ يؤرقه الصّخب، ناهيك عن السرادقات التى تُغلق الشوارع وتُعطِّل حركة السير بحُجَّة الفرح، وليست المآتم بأحسنَ حالا إذ هي والأفراح صنوان فى نشر الصخب والضجيج؛ استنادا لشعار (معلش الناس لبعضها)!
ولا يختلفُ الحالُ كثيرا عند افتتاح محل جديد يقيم صاحبُه حفلة رقص وطبل، تستمر حتى الفجر، دون مُراعاة لمارٍ أحوجته الضرورة للمرور من هذا الطريق أو ساكنٍ، شاء حظُه التعس أن يكون من قاطنى هذا المكان !
ناهيك عن المقاهي التي تلتهم الطريق، ويكثرُ فيها الصخب، الذي لا يرقُب فى شيخ أو طفل ذمة ولا رحما، والتي يتراص روادُها يدخنون الشيشة، دون أن ترحم أعيُنهم غادية أو رائحة، أحوجتها الظروفُ للخروج لقضاء حاجة أو تحقيق مطلب.
هذا بالإضافة إلى ظاهرة الباعة الجائلين الذين احتلوا الشوارع والميادين، ولم ينقصهم سوى أن يفرضوا إتاوات على المارة ليسمحوا لهم بالسير !
الخلاصة أنّ صور الفوضى فى الشارع المصري تعددت، والتمس أصحابُها لأنفسهم مُبررا مُعوقا عنوانه ( معلش) .. ولاشك أنّه شعارٌ مُعطِّل، يحول بيننا وبين التقدم، الذي بلغ فيه الغرب مبالغ شتى، بل وقطعت فيه دولٌ عربيةٌ عديدة أشواطا طويلة ووقفنا نحن (محلّك سر)، نتغنى بأمجاد الماضي، ونعزف على أوتار أننا أصحابُ حضارة يتجاوز عمرها 7 آلاف سنة، وهى حضارةٌ أصحابُها منا براء .
وحلُّ المشكلة ليس بالبكاء على الأطلال، أو ذرف الدموع علي اللبن المسكوب، بل بالعمل الدءوب، والسعي الجاد نحو الغاية المنشودة، ولاشك أنها مسئوليةٌ مُشتركة لابد أن تتكاتف فيها إرادة المواطن مع الإدارة السياسية، التي لابد أن تضربَ بعصا من حديد على يد المُعطّلين المُعوّقين لمسيرة التنمية، وذلك بطمس كلِّ الشعارات المُعوِّقة التي على شاكلة كلمة ( معلش) !