شتان بين مَنْ ولاؤه لمجتمعه، ومن ولاؤه لنفسه، أثناء رحلة البحث عن المناصب الرفيعة، والمكانة الاجتماعية المرموقة، والحصانة الدبلوماسية، التي تحمي من يفوز بها من الضرب على بطنه عقب دخوله قبة البرلمان بمجلسيه النواب أو الشيوخ.
تلك القبة التي يدفع الحالمون بها، ممن يَجرون خلفها كـ(الرهوان) ملايين لا عدًّ لها !
مَنْ ولاؤه لمجتمعه، يَعتبرُ أنَّ كرسي البرلمان تكليفٌ وليس تشريفا، ومن ثمَّ فإنّه يزهد فيه، وإنْ سعى إليه؛ استجابة لمطالب أبناء دائرته الانتخابية، فإنّه ينشده بتؤدة وسكينة، وكلُّه ثقةٌ بأنَّ قدر الله آت، وأنَّ الخير في تدبير الله وتقديره، وبالتالي فإنّه لا يُفكِّر مطلقا، في إنفاق مليم واحد في غير موضعه، أو دغدغة مشاعر الفقراء - لكسب أصواتهم - بورقة فئة (مائتي) جنيه، أو زجاجة زيت وكيلو سكر، وغير ذلك من الدعاية الرخيصة، التي تستغلّ حاجة الفقراء، ومارسها، ويمارسها بعضُ المرشحين بصورة فجّة .
لاشكّ أنّ هذا النوع من المرشحين قليل، بعدما صارت الرشوة، وشراء الأصوات على (عينك يا تاجر)، وممّا عمّت به البلوى، وصار كرسي المجلس من نصيب من يدفع أكثر .
أمّا مَنْ ولاؤه لنفسه، فلسانُ حاله: (أنا ومن بعدي الطوفان)، فتراه يهيمُ في كلِّ واد من أودية التزلف، والوعود البرّاقة، الشبيهة بجبل الثلج، الذي سرعان ما ينصهر مع بزوغ أشعة الشمس، ويدفع ما لاحصر له من أجل الجلوس على كرسي البرلمان الوثير، وما سمعناه عن عشرات بل مئات من الملايين تُدفع لهذا الغرض، خاصة من مرشحي القائمة، يدعو للحسرة والألم، ويثير الرّيبة !
والسؤال: ما العائد الذي ينتظره مَنْ يدفع هذه العشرات من الملايين للفوز بتلك الحصانة وهذا الكرسي تحت القبة ؟
مؤكدٌ أنَّ الحكاية فيها إنَّ، وأنَّ عشرات الملايين المدفوعة، سيجمع صاحبُها بدلها المئات، وهو ما تردد عن بعض النواب، الذين تجاوزت ثرواتهم مئات الملايين بعد فوزهم بالمقعد لدورة أو أكثر !
ولا أدَّعي هنا خراب ذمم الكلِّ، فهذا تعميم مرفوض، إذ إنّ مصر لن تعدم الشرفاء، ولكن هذه النماذج من الحالمين بالثراء والمجد موجودة، ووصلوا لمرادهم بعدما عرفوا من أين تؤكل الكتف، فصعدوا على أشلاء الفقراء المهمشين، ثم تنكروا لدورهم، وأعلنوا أنهم أوتوا ذلك عن استحقاق وجدارة .
ولا تُدار الدول المُحترَمة بهذا الشكل، إذ إنّ العدالة، التي هي ضمانة تقدم أي دولة، تقتضي وقوف الكلّ على قدم المساواة من القانون، وأنّ أيّ مسئول مهما كان منصبه، هو موظف في الدولة، وليس كبيرا على محاسبته وسؤاله: من أين لك هذا ؟
أمّا أن تكون ممتلكات الدولة كلأ مباحا له، فهذا هو الفساد الكفيل بضياع أي بلد، ومحوها من على خريطة التقدم والنهضة، التي نلهث وراءها منذ سنوات، وليس هناك بصيصُ أملٍ لتحقيقها، مادامت الحالُ على ما هي عليه !
وأخيرا .. ياليتَ الشعب يُنصت لتوجيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدم اختيار مرشح يشتري صوت الناخب، بل يحرص على اختيار الأحق والأكفأ؛ لأن ذلك هو الوعي الحقيقي .