عاجل

ألمانيا تعيد التجنيد الإجباري تخوفًا من تزايد التهديدات الروسية

الجيش الألماني
الجيش الألماني

بدأت ألمانيا، التي أوقفت العمل بالتجنيد الإجباري عام 2011، أولى خطواتها نحو إعادة العمل بالخدمة العسكرية بشكل جزئي، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية من روسيا، واحتياج البلاد لتعزيز قدراتها الدفاعية ضمن استراتيجية أوروبية أوسع للردع.

ووافقت الحكومة الألمانية الحالية، بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، على خطة جديدة تهدف إلى إطلاق خدمة عسكرية "طوعية" للشباب في المرحلة الأولى، مع إبقاء خيار العودة إلى التجنيد الإجباري مطروحًا في حال لم تنجح الخطوة الأولى في تحقيق العدد المطلوب من المنتسبين.

تجنيد طوعي كمرحلة تمهيدية

قالت الباحثة الفرنسية كلير ديميسماي، من معهد العلاقات الخارجية الألماني (DGAP) في برلين، في تصريحات صحفية  إن تفعيل الخدمة العسكرية يأتي كرد فعل مباشر على التهديد الروسي المتزايد، لا سيما في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، وزيادة الوجود العسكري الروسي قرب الحدود الأوروبية.

واعتبرت ديميسماي أن هذه الخطوة ترسل "رسالة سياسية واضحة إلى موسكو" مفادها أن ألمانيا أصبحت مستعدة لتحمّل مسؤولية الدفاع عن أوروبا، بعد سنوات من الاعتماد على الحماية الأمريكية وعضوية حلف الناتو.

انتقال من الدفاع المحدود إلى الردع الاستراتيجي

وأشارت ديميسماي إلى أن التطورات الأخيرة دفعت ألمانيا لإعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية، مؤكدة أن "نهج التسليح الحد الأدنى لم يعد كافيًا". وأضافت أن تعزيز القدرات البشرية في الجيش بات ضرورة استراتيجية، ليس فقط لحماية الأراضي الألمانية، بل أيضاً لتطمين شركاء ألمانيا الأوروبيين بشأن التزامها بالأمن الجماعي.

مخاوف قانونية واجتماعية واقتصادية

من جانبه، حذّر هنريك أوترفيد، المدير المشارك في المعهد الفرنسي-الألماني وأستاذ جامعي، من أن إعادة التجنيد الإجباري لن تكون مجرد قرار عسكري، بل مشروع اجتماعي واسع يتطلب بنية تحتية، وتنسيقًا اقتصاديًا ومجتمعيًا شاملاً.

وأشار أوترفيد إلى أن ألمانيا قامت بتفكيك غالبية منشآتها العسكرية المخصصة للتجنيد منذ إيقافه قبل 14 عامًا، محذرًا من أن إعادة البناء ستكون مكلفة ومعقدة. كما شدد على أن إقناع الشباب بالتطوع، والاحتفاظ بهم ضمن القوات، سيحتاج إلى بيئة عمل أكثر جاذبية، وتحفيز مالي ومعنوي ملموس.

وفي خطوة رمزية لبدء تنفيذ المشروع، أقر مجلس الوزراء الألماني مشروع قانون يلزم كل شاب يبلغ 18 عامًا بملء استبيان يحدد مدى استعداده ولياقته لأداء الخدمة العسكرية، بينما تبقى المشاركة اختيارية للفتيات. وإذا فشلت هذه الآلية في استقطاب الأعداد المطلوبة، ينص القانون على إمكانية تفعيل التجنيد الإجباري تدريجيًا بموافقة البرلمان.

هدف لزيادة عدد الجنود وتوسيع قوة الاحتياط

أكد وزير الدفاع بوريس بيستوريوس الألماني أن الهدف هو رفع عدد الجنود من 180 ألفًا إلى 260 ألفًا، ومضاعفة عدد قوات الاحتياط، لتلبية الالتزامات الدفاعية في إطار الناتو، خصوصًا في ظل غموض التزام الولايات المتحدة المستقبلي بحماية القارة الأوروبية.

ورأى الوزير أن ألمانيا بحاجة إلى "قوة دفاع شاملة"، تتجاوز مجرد التسليح الحديث لتشمل رفع الكفاءة البشرية والاستعداد العملياتي على المدى الطويل.

عقبات دستورية وهيكلية

رغم الزخم السياسي، يواجه المشروع عقبات قانونية، إذ يتطلب تعديل الدستور لإعادة التجنيد الإجباري، وهو ما يستلزم تأييد ثلثي أعضاء البرلمان. إلى جانب ذلك، تعاني ألمانيا من فقدان مراكز التجنيد ومرافق التدريب التي تم إغلاقها عقب إلغاء الخدمة العسكرية في 2011.

وحذر معهد "أيفوب" الاقتصادي من أن إعادة التجنيد قد تُحدث خللاً في سوق العمل، إذ تؤخر دخول الشباب إليه، ما يؤثر على الإنتاجية والنمو الاقتصادي.،كما حذر من تداعيات محتملة على القطاع الصحي، الذي يعتمد جزئيًا على المتطوعين المدنيين، خصوصًا في المستشفيات ودور الرعاية.

وفي الوقت الذي يؤيد فيه بعض الساسة العودة إلى التجنيد الإجباري لأسباب أمنية، يشدد آخرون على ضرورة مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، معتبرين أن حلاً وسطًا يتمثل في تقديم حوافز مجزية للخدمة الطوعية قد يكون أكثر فعالية وأقل تكلفة.

تم نسخ الرابط