حين يفقد المواطن شعوره بالأمان في وسيلة نقل يستخدمها يوميا فنحن لا نكون أمام أزمة تشغيل عابرة بل أمام سؤال أكبر يتعلق بقيمة الإنسان في حسابات إدارة المرافق العامة وبمدى قدرتنا على حماية الأرواح قبل أن تتحول الأخطاء إلى مآسٍي فليس من الطبيعي أن يصبح الوصول إلى البيت بسلام أمنية أو أن تتحول رحلة يومية عادية إلى احتمال مفتوح للخطر.
فليست قيمة أي مشروع في حجمه أو تكلفته أو ما يضيفه إلى خريطة الإنجازات وإنما في مقدار ما يحققه من حياة أفضل وأكثر أمانا للإنسان فكل مشروع يفقد غايته حين يعجز عن حماية الإنسان الذي أقيم من أجله وكل تطوير لا تنعكس نتائجه على سلامة المواطن يظل بحاجة إلى مراجعة حقيقية.
ومن هذا المنطلق فإن تكرار حوادث القطارات لم يعد مجرد وقائع منفصلة بل أصبح جرس إنذار يستوجب إعادة النظر في فلسفة إدارة هذا المرفق الحيوي وفي ترتيب أولويات الإنفاق والتطوير ومدى قدرتنا على تحويل التحديث إلى أمان حقيقي يشعر به المواطن.
فالسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط كم أنفقنا على تطوير السكك الحديدية؟ بل هل حظيت منظومة الأمان والصيانة والرقابة بالقدر نفسه من الاهتمام والإنفاق؟ وهل أصبح لدينا نظام قادر على اكتشاف الخلل قبل أن يتحول إلى كارثة؟
إن المسؤولية لا يمكن اختزالها في سائق قطار أو فني صيانة فهناك منظومة متكاملة تبدأ بالتخطيط والتمويل والإدارة وتمر بالتشغيل والصيانة والإشارات والرقابة.. ومحاسبة المخطئ ضرورة لكنها لا تكفي وحدها إذا لم نصل إلى الأسباب الحقيقية التي سمحت بوقوع الحادث فإغلاق ملف المسؤولية لا يعني بالضرورة إغلاق الطريق أمام تكرار المأساة.
إن الصيانة لا ينبغي أن تكون رد فعل لحادث وإنما ثقافة مؤسسية مستمرة والسلامة لا يجب أن تكون بندا ضمن بنود التشغيل بل أولوية لا تقبل المساومة. فالكفاءة الحقيقية ليست في التعامل مع آثار الخلل وإنما في اكتشافه ومنعه قبل أن يدفع المواطن ثمنه من حياته.
ومن موقعي كعضو بمجلس الشيوخ أرى أن دورنا يتجاوز متابعة الحوادث بعد وقوعها إلى مساءلة السياسات التي تحكم إدارة هذا المرفق، وفتح نقاش جاد حول أولويات الإنفاق وكفاءة التشغيل وآليات الرقابة ومدى الالتزام بالصيانة الدورية مع ضرورة وجود مؤشرات واضحة ومعلنة تقيس مدى انعكاس التطوير على سلامة المواطنين.
فالمواطن لا يبحث عن أرقام المشروعات ولا يتابع حجم المليارات التي أنفقت بقدر ما ينتظر ضمان حقيقي بأن يصل إلى بيته سالما.
وأخشى أن تكون أخطر خسائر تكرار الحوادث هي أن نعتادها وأن تتحول أرواح البشر إلى أرقام في بيانات الحصر وأن تصبح المأساة حدث عابر في ذاكرة المجتمع، وكأن تكرار الألم يمنحنا القدرة على التعايش معه.
إن التطوير الحقيقي ليس أن نجعل القطارات أسرع أو المحطات أحدث فقط بل أن نجعل رحلة المواطن أكثر أمان وأن نمتلك القدرة على منع الكارثة قبل أن نبحث عن أسبابها.
فلا يجوز أن نقيس نجاح منظومة السكك الحديدية بعدد القطارات التي تتحرك بل بقدرتها على إعادة كل من استقلها إلى بيته سالما. ولا يجوز أن تظل المحاسبة مؤجلة إلى ما بعد سقوط الضحايا فالوقاية مسؤولية والأمان حق وحياة الإنسان ليست ثمنا مقبولا لأي خلل إداري أو تقني.
إن السؤال لم يعد فقط من أخطأ في الحادث؟ بل من المسؤول عن ألا يتكرر؟ ومن يضمن ألا يصبح الخوف جزء من رحلة المواطن اليومية؟
رحم الله الضحايا، وحفظ أرواح المصريين.