عاجل

الدعم النقدي في مصر.. اختبار العدالة الاجتماعية الأصعب.. هل تتحول أموال التموين إلى حماية حقيقية للمواطن أم يلتهمها التضخم قبل أن تصل إلى موائد المصريين؟

الدعم النقدي
الدعم النقدي

لم يعد ملف الدعم النقدي في مصر مجرد نقاش اقتصادي حول أفضل وسيلة لتوزيع السلع التموينية، بل تحول إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الحماية الاجتماعية، وقدرة الدولة على إعادة صياغة منظومة الدعم بما يحقق معادلة شديدة الصعوبة: حماية محدودي الدخل، وترشيد الإنفاق العام، وضمان وصول المخصصات إلى مستحقيها، دون أن تتحول عملية الإصلاح إلى عبء جديد على الأسر الأكثر احتياجًا.

فمع التوجه الحكومي نحو تجربة التحول التدريجي من الدعم العيني بصورته الحالية إلى الدعم النقدي السلعي، تفتح مصر بابًا جديدًا لإعادة تقييم واحدة من أقدم وأكبر منظومات الحماية الاجتماعية في تاريخها، وهي منظومة ارتبطت لعقود برغيف الخبز وبطاقات التموين ومقررات السلع الأساسية، وأصبحت جزءًا أصيلًا من المعادلة الاقتصادية والاجتماعية لملايين الأسر.

وجاءت التطورات الأخيرة لتمنح الملف بعدًا تنفيذيًا أكثر وضوحًا، بعدما استعرض الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في اجتماعه مع وزراء المالية والتضامن الاجتماعي والتموين، آليات تنفيذ التكليفات الرئاسية الصادرة عن منتدى مصر 2026، وأعلن وزير التموين اختيار محافظة البحيرة لبدء التجربة اعتبارًا من يناير 2027، باعتبارها نموذجًا تجريبيًا يتم من خلاله اختبار آليات المنظومة الجديدة قبل اتخاذ قرارات بشأن مراحلها التالية.

لكن خلف هذا الإعلان تقف أسئلة أكبر من مجرد موعد التطبيق أو المحافظة التي ستبدأ فيها التجربة؛ هل يمتلك الدعم النقدي القدرة على توفير الحماية نفسها التي يوفرها الدعم العيني؟ وهل تستطيع الدولة تحديد قيمة عادلة للدعم في اقتصاد لا تزال الأسعار فيه تتحرك بصورة تؤثر مباشرة على ميزانيات الأسر؟ وهل يمكن الانتقال إلى منظومة نقدية دون التأثير على الأمن الغذائي للفئات الأكثر احتياجًا؟

إن القضية الحقيقية ليست في استبدال السلع بالأموال، وإنما في تحديد من يستحق الدعم، وكم يستحق، وكيف نحافظ على قيمته، ومن يضمن ألا تتحول حرية الاختيار إلى مواجهة مفتوحة بين المواطن والأسعار.

أولًا.. من دعم السلع إلى دعم المواطن.. هل حان وقت إعادة صياغة المنظومة؟

على مدار سنوات طويلة، اعتمدت مصر على الدعم العيني باعتباره أحد أهم أدوات التدخل الاجتماعي لحماية المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة، من خلال توفير الخبز والسلع الأساسية بأسعار مدعمة، وتحمل الدولة الفارق بين تكلفة الإنتاج أو التدبير والسعر الذي يتحمله المستفيد.

لكن مع تطور الظروف الاقتصادية، وتزايد تكلفة تدبير السلع، وتغير أنماط الاستهلاك، ظهرت الحاجة إلى مراجعة كفاءة هذه المنظومة، ومدى قدرتها على تحقيق أفضل استفادة من الموارد المالية المخصصة لها.

فالدعم العيني، رغم أهميته الاجتماعية، يرتبط بمجموعة من التحديات، من بينها محدودية اختيارات المستفيدين، وصعوبة تحقيق التوازن بين اختلاف احتياجات الأسر، وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع، فضلًا عن احتمالات التسرب أو عدم وصول كامل القيمة الاقتصادية للدعم إلى مستحقيه.

وفي المقابل، يطرح الدعم النقدي السلعي نموذجًا أكثر مرونة، يمنح المواطن قدرة أكبر على اختيار احتياجات أسرته من السلع الأساسية وفقًا لأولوياته، مع استمرار توجيه قيمة الدعم إلى الأغراض الغذائية.

وهنا يجب التوقف أمام نقطة مهمة: الحكومة لا تتحدث بالضرورة عن تسليم المواطنين أموالًا نقدية حرة دون ضوابط، وإنما عن تطوير تدريجي لمنظومة الدعم العيني إلى دعم نقدي سلعي أكثر مرونة، وهو فارق جوهري في فهم طبيعة الإصلاح المطروح.

وبالتالي، فإن نجاح التحول لن يكون مرتبطًا فقط بقرار تغيير آلية الصرف، وإنما بمدى قدرة المنظومة الجديدة على تحقيق كفاءة أعلى، دون التفريط في الوظيفة الاجتماعية الأساسية للدعم.

ثانيًا.. معركة التضخم.. هل يستطيع الدعم النقدي حماية المواطن أم أن الأسعار ستلتهم قيمته؟

هذه هي المعضلة الأكبر في مشروع التحول إلى الدعم النقدي، والاختبار الحقيقي الذي ستواجهه الحكومة عند التطبيق.

فالدعم العيني يوفر للمواطن قدرًا من الحماية من تقلبات أسعار السلع التي يحصل عليها بسعر مدعم، بينما يضع الدعم النقدي قيمة المبلغ المخصص في مواجهة مباشرة مع حركة الأسعار داخل الأسواق.

بمعنى آخر، قد يحصل المواطن على قيمة مالية محددة اليوم، لكنه بعد عدة أشهر قد يكتشف أن المبلغ نفسه لم يعد قادرًا على شراء الكميات ذاتها من السلع، نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القوة الشرائية للنقود.

وتزداد أهمية هذا التحدي عند النظر إلى مؤشرات الأسعار في مصر؛ إذ سجل التضخم السنوي في المدن 13.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس، بينما ارتفع التضخم الشهري بنسبة 1.3% خلال سبتمبر، وفق بيانات البنك المركزي المصري.

كما شهدت بعض المجموعات الغذائية زيادات شهرية ملحوظة، من بينها الخضراوات بنسبة 15.1%، والفاكهة بنسبة 2.6%، واللحوم والدواجن بنسبة 2.5%. <Cite refs={[“turn268605search8”,“turn268605search7”]}/>

وهذه الأرقام تكشف أن انخفاض معدل التضخم السنوي لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، وإنما يعني في الأساس تباطؤ وتيرة الزيادة مقارنة بفترة سابقة، بينما تظل الأسعار التي يدفعها المواطن مرتفعة، وتظل تكلفة المعيشة قائمة عند مستويات أعلى.

ومن هنا يظهر السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحكومة بوضوح: هل ستكون قيمة الدعم النقدي ثابتة، أم ستخضع لمراجعة دورية مرتبطة بالتضخم وتكلفة سلة الغذاء الأساسية؟

فإذا لم توجد آلية واضحة لمراجعة قيمة الدعم، فقد تتحول المنظومة الجديدة مع مرور الوقت إلى مخصصات مالية تتآكل قيمتها الحقيقية، ويجد المواطن نفسه أمام دعم اسمي ثابت لا يعكس احتياجاته الفعلية.

والأكثر أهمية أن ربط الدعم بمعدل التضخم العام وحده قد لا يكون كافيًا؛ لأن الأسر محدودة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخولها على الغذاء، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار السلع الأساسية قد يكون أكثر تأثيرًا عليها من المتوسط العام لارتفاع الأسعار.

وهنا تبرز أهمية دراسة إنشاء مؤشر خاص بتكلفة سلة الغذاء الأساسية، يتابع أسعار الخبز والزيوت والبقوليات والأرز والسكر والألبان والبروتينات، ويكون أحد الأدوات المستخدمة في مراجعة قيمة الدعم.

فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة مقدار الدعم الذي حصل عليه بالجنيه فقط، وإنما يحتاج إلى معرفة عدد الاحتياجات الأساسية التي يستطيع هذا الدعم توفيرها له.

ثالثًا.. 178 مليار جنيه.. هل المشكلة في حجم الدعم أم في طريقة توزيعه؟

تكشف الأرقام الرسمية عن ضخامة المسؤولية المالية والاجتماعية التي تتحملها الدولة في هذا الملف.

فوفق البيانات التي استعرضتها وزارة التموين خلال منتدى مصر 2026، يستفيد نحو 64.5 مليون مواطن من منظومة الخبز المدعم، بواقع خمسة أرغفة يوميًا للفرد، بينما يستفيد نحو 57.5 مليون مواطن من منظومة السلع التموينية.

وتحصل الأسرة وفق قواعد الصرف الحالية على دعم للسلع بقيمة 50 جنيهًا شهريًا للفرد، في حدود المقررات التموينية المعمول بها.

أما مخصصات الدعم العيني المدرجة بموازنة الهيئة العامة للسلع التموينية للعام المالي 2025/2026 فقد بلغت 160 مليار جنيه، ارتفعت إلى 178 مليار جنيه في موازنة 2026/2027، منها 142 مليار جنيه لدعم الخبز و36 مليار جنيه لدعم السلع التموينية. <Cite refs={[“turn268605search2”]}/>

هذه الأرقام تطرح سؤالًا اقتصاديًا بالغ الأهمية: هل تستطيع الدولة تحقيق نتائج اجتماعية أفضل من خلال الموارد المالية نفسها، إذا أعادت تنظيم آليات توزيع الدعم وتحديد المستحقين؟

فالإصلاح لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الوفر الذي يمكن تحقيقه في الموازنة، وإنما بمدى تحسن القيمة الفعلية التي تصل إلى المواطن.

ومن المهم هنا التفرقة بين ثلاثة مفاهيم: خفض تكلفة تقديم الدعم، وتقليل الهدر والتسرب، وتحسين كفاءة الاستهداف.

فقد تنجح الدولة في تقليل تكاليف النقل والتخزين والتوزيع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المواطن حصل على قيمة أعلى من الدعم. وقد تحقق وفرًا ماليًا من خلال تحسين قواعد البيانات، لكن هذا الوفر لا يتحول تلقائيًا إلى حماية اجتماعية أفضل ما لم تتم إعادة توجيه الموارد بصورة عادلة.

ومن ثم، فإن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا هو: هل ستذهب أي وفورات ناتجة عن تطوير المنظومة إلى زيادة نصيب المستحقين وتحسين مستوى حمايتهم، أم ستظل مجرد وفر مالي في حسابات الموازنة؟

رابعًا.. العدالة الاجتماعية أمام اختبار قواعد البيانات.. من يستحق الدعم فعلًا؟

ربما تكون هذه النقطة أخطر من مسألة تحديد قيمة الدعم نفسها.

فنجاح الدعم النقدي يتطلب معرفة دقيقة بالمستحقين، وتحديدًا للفئات التي تحتاج إلى الحماية، وهو ما يضع قواعد البيانات الحكومية أمام اختبار حقيقي.

فهل تستطيع الدولة التمييز بدقة بين المواطن الذي يمتلك مصدر دخل مستقرًا، والمواطن الذي يعمل بصورة غير منتظمة؟ وكيف سيتم التعامل مع الأسر التي تتغير ظروفها الاقتصادية بصورة مستمرة؟ وماذا عن أصحاب المعاشات الصغيرة، والعمالة الموسمية، والأسر التي تعول أطفالًا أو أشخاصًا من ذوي الإعاقة؟

إن العدالة في توزيع الدعم لا تتحقق بمجرد حذف غير المستحقين، وإنما تتحقق أيضًا بعدم استبعاد مستحقين حقيقيين نتيجة نقص البيانات أو عدم تحديثها.

وهنا تبرز ضرورة وجود قاعدة بيانات اجتماعية متكاملة، تستفيد من بيانات التأمينات والمعاشات والدخل والضرائب والملكية وغيرها من المؤشرات، دون الاعتماد على مؤشر منفرد باعتباره دليلًا نهائيًا على مستوى المعيشة.

كما يجب أن تتضمن المنظومة آلية مستمرة لتحديث البيانات، وإتاحة التظلمات، ومراجعة حالات الاستبعاد، حتى لا تتحول الرقمنة من أداة لتحسين العدالة إلى وسيلة لاستبعاد مواطنين لا تعكس بياناتهم الرسمية حقيقة ظروفهم المعيشية.

والأهم أن يكون تحديد قيمة الدعم مرتبطًا بعدد أفراد الأسرة وتركيبتها واحتياجاتها، وليس مجرد منح مبلغ موحد لا يراعي الفوارق الاجتماعية.

خامسًا.. رغيف الخبز.. الخط الأحمر في معادلة التحول

لا يمكن تناول مستقبل الدعم النقدي في مصر دون التوقف أمام رغيف الخبز المدعم، الذي يمثل أحد أكثر مكونات منظومة الحماية الاجتماعية حساسية وتأثيرًا في حياة المواطنين.

فالخبز ليس مجرد سلعة غذائية ضمن قائمة المقررات التموينية، وإنما يمثل عنصرًا أساسيًا في الأمن الغذائي لملايين الأسر، ويؤدي دورًا مهمًا في حماية الفئات الأقل دخلًا من تقلبات الأسعار.

ولذلك فإن أي تصور لتطوير الدعم يجب أن يوضح بصورة قاطعة مستقبل دعم الخبز، وما إذا كان سيظل محتفظًا بآليته الحالية، أم ستتم دراسته ضمن مراحل التطوير المستقبلية.

وهنا يجب التمييز بين تطوير دعم السلع التموينية والتحول الكامل في جميع صور الدعم العيني؛ فالتجربة المعلنة لا تعني تلقائيًا إلغاء كل أشكال الدعم العيني أو الاستغناء عن منظومة الخبز.

بل إن من السيناريوهات التي تستحق الدراسة استمرار الدعم العيني للخبز باعتباره سلعة استراتيجية شديدة الحساسية، مع تطوير دعم السلع التموينية إلى نظام نقدي سلعي يمنح الأسر مرونة أكبر في الاختيار.

وقد يكون الجمع بين الآليتين أكثر ملاءمة للواقع المصري من الانتقال الكامل والسريع إلى نظام واحد.

فالإصلاح الناجح ليس بالضرورة أن يكون إصلاحًا يستبدل كل شيء، وإنما قد يكون إصلاحًا يحتفظ بالأدوات التي أثبتت قدرتها على حماية الفئات الأكثر احتياجًا، ويطور الأدوات الأخرى التي تحتاج إلى مزيد من الكفاءة والمرونة.

سادسًا.. هل تنجح الأسواق في استيعاب المنظومة الجديدة؟

هناك جانب آخر قد لا يحصل على الاهتمام الكافي في النقاش الدائر، وهو قدرة الأسواق على استيعاب التغيير.

فمنح المواطنين حرية أكبر في اختيار السلع يعني ضرورة توافر تلك السلع بكميات مناسبة، وفي منافذ متعددة، وبأسعار تخضع للمنافسة والرقابة.

وهنا لا يمكن فصل ملف الدعم النقدي عن ملف ضبط الأسواق وحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.

فإذا حصل المواطن على قيمة مالية إضافية، بينما ظلت الأسواق تعاني من نقص المعروض أو ارتفاع الأسعار بصورة غير مبررة، فإن جزءًا من قيمة الدعم قد ينتقل بصورة غير مباشرة إلى هوامش أرباح بعض حلقات التداول بدلًا من أن ينعكس على تحسين مستوى معيشة المستفيدين.

كما أن زيادة الطلب على بعض السلع نتيجة تغير آلية الصرف قد تخلق ضغوطًا على سلاسل الإمداد والتوزيع، إذا لم تكن هناك استعدادات مسبقة لتوفير الكميات المطلوبة.

ومن هنا تكتسب توجيهات رئيس الوزراء بضرورة الحفاظ على احتياطي استراتيجي من السلع يتجاوز ستة أشهر أهمية إضافية؛ فالاحتياطي لا يمثل فقط ضمانة للأمن الغذائي، وإنما أداة للتدخل عند حدوث نقص في المعروض أو محاولات لحجب السلع أو رفع أسعارها بصورة غير مبررة.

ويصبح نجاح المنظومة مرتبطًا بوجود تكامل بين وزارة التموين وجهاز حماية المستهلك وجهاز حماية المنافسة والجهات الرقابية، إلى جانب دور القطاع الخاص في توفير السلع وتوسيع منافذ البيع.

سابعًا.. ماذا تقول التجارب الدولية؟ الدعم النقدي ليس وصفة جاهزة للنجاح

تقدم التجارب الدولية درسًا مهمًا في هذا الملف، وهو أن الدعم النقدي قد يكون أكثر كفاءة في بعض الظروف، لكنه ليس نظامًا مثاليًا يصلح للتطبيق بالطريقة نفسها في جميع الدول.

فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير في دراستها بشأن سياسات الغذاء والزراعة في مصر إلى أن برامج التحويلات النقدية، مثل تكافل وكرامة، أظهرت قدرة على تحسين استهداف المستفيدين والحد من الفقر، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن برامج التحويلات النقدية لا تزال تمثل حصة محدودة من إجمالي الإنفاق العام على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية.

كما تؤكد الدراسة أن الدعم الغذائي العيني ساهم في الحد من الارتفاع السريع لمعدلات الفقر خلال الأزمات، لكنه يواجه تحديات تتعلق بتنوع الغذاء والأنماط الاستهلاكية وكفاءة التوجيه. <Cite refs={[“turn268605search5”]}/>

وهذا يعني أن مصر لا تبدأ من نقطة الصفر، فهناك خبرة قائمة في برامج الدعم النقدي المشروط، لكنها تحتاج إلى دراسة الفروق بين تحويل نقدي يستهدف تلبية احتياجات اجتماعية متنوعة، ومنظومة دعم غذائي تمس ملايين المواطنين يوميًا.

كما أن التحليلات الاقتصادية الدولية تشير إلى أن تشديد الاستهداف قد يحقق مكاسب للفئات الأشد فقرًا، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تراجع استهلاك بعض الأسر التي كانت تستفيد من الدعم بصورة جزئية، وهو ما يستلزم دراسة آثار الاستبعاد قبل تعميم أي تغيير. <Cite refs={[“turn268605search4”]}/>

والدرس الأهم هنا أن نجاح التجربة لا يأتي من نسخ نموذج دولي، وإنما من تصميم نموذج يتناسب مع طبيعة الاقتصاد المصري، وهيكل الدخل، وأنماط الاستهلاك، وحجم الاقتصاد غير الرسمي، والتفاوت بين المحافظات.

ثامنًا.. لماذا تمثل محافظة البحيرة اختبارًا حقيقيًا قبل التعميم؟

اختيار محافظة البحيرة لبدء التطبيق التجريبي في يناير 2027 يضع الحكومة أمام فرصة مهمة لاختبار المنظومة على أرض الواقع قبل اتخاذ قرار بالتوسع.

لكن قيمة التجربة لن تتحدد بمجرد بدء الصرف وفق الآلية الجديدة، وإنما بقدرتها على قياس النتائج بصورة موضوعية.

فالتجربة يجب أن تجيب عن أسئلة محددة:

هل حصلت الأسر على قيمة دعم تعادل أو تتجاوز القيمة التي كانت تحصل عليها من النظام السابق؟

هل استطاع المواطن شراء احتياجاته بصورة أكثر مرونة؟

هل حدثت زيادة في أسعار السلع الأكثر طلبًا؟

هل توافرت السلع بالكميات المطلوبة في المنافذ؟

هل نجحت قواعد البيانات في تحديد المستحقين؟

هل ظهرت حالات استبعاد غير مبررة؟

هل انخفضت تكلفة الإدارة والتوزيع؟

وهل تحسنت القدرة الشرائية للأسر المستفيدة؟

والأهم من ذلك، يجب إجراء مقارنة بين أوضاع الأسر قبل التطبيق وبعده، مع مراعاة اختلاف أحجام الأسر ومستويات الدخل والمناطق الجغرافية.

كما ينبغي أن تكون هناك آلية مستقلة لتقييم النتائج، وأن تُعلن مؤشرات النجاح والإخفاق للرأي العام، حتى لا تتحول التجربة إلى مجرد إجراء إداري يتم تقييمه من خلال عدد البطاقات التي جرى تحويلها أو حجم المبالغ التي تم صرفها.

فالتجربة الناجحة هي التي تثبت بالأرقام أن المواطن أصبح أكثر قدرة على تلبية احتياجاته، وأن الدولة أصبحت أكثر كفاءة في توجيه مواردها.

تاسعًا.. ثلاثة سيناريوهات أمام مستقبل الدعم في مصر

في ضوء المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المنظومة:

السيناريو الأول: التحول التدريجي المنضبط

ويقوم على تطبيق الدعم النقدي السلعي بصورة تدريجية، مع تحديد قيمة عادلة للمخصصات، ومراجعتها دوريًا وفق مؤشرات أسعار الغذاء، وتطوير قواعد البيانات، مع الإبقاء على بعض أشكال الدعم العيني الاستراتيجي، وفي مقدمتها الخبز، وفق ما تقرره الدولة بعد التقييم.

ويمثل هذا السيناريو فرصة لتحقيق التوازن بين كفاءة الإنفاق وحماية المستفيدين، بشرط وجود رقابة حقيقية على الأسواق وآليات فعالة للتظلم.

السيناريو الثاني: التحول النقدي دون حماية كافية من التضخم

وفي هذا السيناريو، يحصل المواطن على قيمة نقدية محددة دون وجود آلية مرنة لمراجعتها مع تغير أسعار الغذاء.

وهنا قد تتراجع القوة الشرائية للدعم بمرور الوقت، ويصبح المواطن أكثر تعرضًا لتقلبات الأسعار، حتى لو ظلت قيمة المخصصات ثابتة من الناحية الاسمية.

وهو السيناريو الذي يجب على الحكومة تجنبه، لأنه قد يؤدي إلى تراجع الأثر الاجتماعي للمنظومة الجديدة.

السيناريو الثالث: المنظومة الهجينة

ويقوم على الجمع بين الدعم النقدي السلعي والدعم العيني لبعض السلع الأساسية، مع تطوير برامج الحماية النقدية الموجهة للفئات الأكثر احتياجًا، بما يسمح للدولة باستخدام أكثر من أداة وفق طبيعة كل سلعة واحتياجات كل فئة.

وقد يكون هذا السيناريو الأكثر قابلية للدراسة في الحالة المصرية، لأنه لا يضع الدولة أمام اختيار ثنائي بين النقدي والعيني، وإنما يمنحها مرونة في تصميم منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية.

عاشرًا.. الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بما توفره الموازنة وإنما بما يصل إلى المواطن

في النهاية، فإن التحول إلى الدعم النقدي يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة الدولة المصرية على تطوير منظومة الحماية الاجتماعية، والانتقال بها من مجرد توفير سلع مدعمة إلى نموذج أكثر دقة في تحديد الاحتياجات وتوجيه الموارد.

لكن نجاح هذه الخطوة لن يتحقق بمجرد تغيير طريقة الصرف، ولا بمجرد خفض تكلفة إدارة المنظومة، وإنما يتطلب ضمانات واضحة تتعلق بقيمة الدعم، وعدالة الاستحقاق، واستقرار الأسعار، وتوافر السلع، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا من أي آثار سلبية محتملة.

كما أن الحوار المجتمعي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من مراحل الإصلاح، لأن المواطن ليس مجرد مستفيد من المنظومة، وإنما طرف أصيل في تقييم كفاءتها، وهو الأكثر قدرة على تحديد ما إذا كان التغيير قد انعكس بالفعل على حياته اليومية أم لا.

وتحتاج الحكومة إلى إعلان تصور واضح لقيمة الدعم وآلية احتسابها ومراجعتها، ومستقبل دعم الخبز، وقواعد الاستحقاق، وحقوق المتظلمين، ومؤشرات تقييم التجربة، قبل التفكير في أي توسع على مستوى الجمهورية.

فالدعم النقدي لن يكون أكثر عدالة لمجرد أن المواطن أصبح يحمل قيمة مالية بدلًا من الحصول على سلعة مدعمة، وإنما يصبح أكثر عدالة عندما تمنحه هذه القيمة قدرة حقيقية على شراء احتياجاته، وتحافظ على كرامته وحقه في الغذاء، ولا تسمح للتضخم بأن ينتزع منه ما قدمته له الدولة.

وهنا يبقى السؤال الأهم أمام الحكومة والمجتمع: هل تستطيع مصر بناء منظومة دعم تمنح المواطن حرية الاختيار دون أن تتركه وحيدًا في مواجهة الأسعار؟ الإجابة لن تحدد فقط مستقبل بطاقات التموين، وإنما ستحدد مدى قدرة الإصلاح الاقتصادي على التحول إلى حماية اجتماعية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

تم نسخ الرابط