عاجل

طارق البرديسي: الشائعات والتضليل من أبرز أدوات الحروب منخفضة التكلفة

الدكتور طارق البرديسي،
الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية

أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن الحروب التي تستهدف الدولة المصرية في الوقت الراهن لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، وإنما باتت تعتمد بصورة متزايدة على أدوات منخفضة التكلفة، في مقدمتها نشر الشائعات والتضليل والتشكيك في مؤسسات الدولة والمسؤولين، وبث مشاعر الإحباط واليأس بين المواطنين.

وقال البرديسي إن طبيعة الحروب تغيرت، فلم تعد الدبابات والطائرات والصواريخ وحدها أدوات المواجهة، بل أصبحت الشائعة والتشكيك في نزاهة المسؤولين ومؤسسات الدولة من أبرز وسائل الاستهداف، موضحًا أن هذه الحروب قد تبدأ بمعلومة مضللة أو محتوى يستهدف إقناع المواطنين بأن الواقع سلبي بالكامل، وأن جهود الإصلاح لا تحقق نتائج، وأنه لا توجد فرص للتغيير أو التحسن.

وأضاف أن الحديث عن هذه الأدوات يأتي في ضوء ما وصفه بفشل محاولات سابقة لاستهداف الدولة المصرية، مشيرًا إلى أن مصر واجهت عبر تاريخها مخططات استعمارية وعسكرية وسياسية متعددة، وكانت من الدول الرائدة في دعم حركات التحرر الإفريقية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

واستعرض البرديسي محطات من تاريخ الدولة المصرية، بينها حرب أكتوبر 1973، واتفاقية السلام، ومعركة التحكيم التي انتهت باستعادة طابا، معتبرًا أن هذه التجارب تعكس تعدد الوسائل التي استخدمتها مصر لاستعادة أرضها وحماية مصالحها.

وأشار إلى أن البلاد واجهت أيضًا، عقب أحداث عام 2011، تحديات ارتبطت بمحاولات إثارة الفتن والانقسام والصراعات الداخلية والطائفية، مضيفًا أن تطور هذه المحاولات أسهم، وفق رؤيته، في تغير أدوات استهداف المجتمع، لتصبح حملات التشكيك وزراعة الإحباط من الوسائل المستخدمة في المرحلة الحالية.

تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الشائعات

وأوضح خبير العلاقات الدولية أن القيادة السياسية تشدد على أهمية حماية الجبهة الداخلية، باعتبار تماسك المجتمع أحد عناصر قوة الدولة، مشيرًا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد في أكثر من مناسبة أن وحدة المصريين وتماسكهم يمثلان عاملًا مهمًا في مواجهة التحديات التي تستهدف مصر وأمنها.

واستشهد البرديسي بحرب أكتوبر 1973، قائلًا إن مصر تمكنت بعد سنوات قليلة من هزيمة عام 1967 من تحقيق العبور والانتصار، كما أشار إلى قدرة المجتمع على مواجهة التحديات التي شهدتها البلاد خلال أحداث 2011.

وأكد أن الحفاظ على تماسك المجتمع يظل عنصرًا أساسيًا في التعامل مع المخاطر، خصوصًا في ظل تطور أدوات التأثير على الرأي العام وانتشار المحتوى المضلل عبر منصات التواصل الاجتماعي.

مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لنشر الإحباط والتشكيك

وحول مؤشرات المخاطر التي قد تستهدف الجبهة الداخلية وطبيعة القضايا المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، قال البرديسي إن منصات التواصل أصبحت من الأدوات الرئيسية التي يمكن استخدامها في نشر الفتن واليأس والإحباط.

وأوضح أن خطورة الشائعة لا تنتهي بمجرد اكتشاف عدم صحتها، إذ إن تكرار المعلومات المضللة قد يترك أثرًا في وعي المتلقي، ويؤدي إلى ترسيخ شعور بعدم جدوى الإصلاح أو استحالة تحقيق التغيير، حتى بعد ثبوت زيف بعض الادعاءات.

وأضاف أن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو تحول فكرة عدم جدوى الجهود والمحاولات إلى قناعة عامة، نتيجة تكرار الرسائل السلبية والتشكيك المستمر، وهو ما يستدعي، بحسب تقديره، التعامل مع الشائعات باعتبارها تحديًا يتطلب توعية مستمرة ومشاركة مجتمعية واسعة.

اجتماع الرئيس مع المشايخ والعمد ورسائل التوعية في القرى والنجوع

وعن الرسائل التي حملها اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع المشايخ والعمد، قال البرديسي إن الرسالة الأساسية تتمثل في ضرورة توسيع نطاق التوعية وعدم اقتصارها على مؤسسات الدولة المركزية أو القيادات الموجودة في المستويات العليا.

وأوضح أن عقد لقاءات مع المشايخ والعمد يحمل دلالة على أهمية وصول رسائل التوعية إلى القرى والنجوع والمجتمعات المحلية، بما يضمن مشاركة مختلف الفئات في مواجهة الشائعات والتعامل مع التحديات التي تستهدف استقرار المجتمع.

وأضاف أن الجميع "في قارب واحد"، وأن حماية الدولة والحفاظ على استقرارها مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الجهود من أعلى مؤسسات الدولة إلى أصغر تجمع سكاني، مؤكدًا أن الرسائل المتعلقة بالوعي ومواجهة التضليل يجب أن تكون حاضرة لدى مختلف فئات المجتمع، وليس فقط لدى المؤسسات الرسمية.

البرديسي: حملات التشويه قد تدفع الكفاءات إلى الابتعاد عن العمل العام

وتطرق خبير العلاقات الدولية إلى ما وصفه بمحاولات الاغتيال المعنوي للمسؤولين، محذرًا من أن التشكيك المستمر في نزاهة شاغلي المناصب العامة، وتوجيه اتهامات بالفساد أو السرقة دون التحقق منها، قد يؤثر على استعداد الكفاءات لتولي المسؤولية والعمل داخل مؤسسات الدولة.

وقال إن تكرار حملات التشويه قد يؤدي إلى إرباك المسؤول وإضعاف قدرته على اتخاذ القرار، نتيجة خشية التعرض لهجوم يستهدفه أو يمتد إلى أسرته، وهو ما قد يدفع بعض الشخصيات الناجحة إلى تفضيل الابتعاد عن العمل العام.

وأوضح البرديسي أن بعض الكفاءات قد تقارن بين الاستمرار في مواقع ناجحة داخل القطاع الخاص، تحقق لها عائدًا ماديًا ومعنويًا، وبين الانتقال إلى منصب حكومي قد يعرضها لحملات انتقاد وتشويه متكررة.

وأشار إلى أن الدولة تسعى إلى الاستفادة من خبرات النماذج الناجحة في القطاع الخاص ومجالات الأعمال والاستثمار، ونقل تجاربها إلى المؤسسات الحكومية، بما يسهم في تطوير الأداء وتحقيق ما وصفه بـ"عدوى النجاح".

واعتبر أن حماية المسؤولين من حملات الاغتيال المعنوي تمثل، وفق رؤيته، أحد الجوانب المرتبطة بالحفاظ على قدرة الدولة على جذب الكفاءات والاستفادة من خبراتها في العمل العام.

الشائعة سلاح منخفض التكلفة وسريع الانتشار

وشدد البرديسي على أن الشائعة أصبحت من أبرز أدوات الحروب الحديثة تأثيرًا، بسبب انخفاض تكلفة إنتاجها وسهولة نشرها وتكرارها، مقارنة بأدوات المواجهة العسكرية التقليدية.

وأوضح أن نشر الشائعات لم يعد يتطلب دبابات أو طائرات أو صواريخ أو طائرات مسيرة أو منظومات تسليح متقدمة، إذ يمكن أن يبدأ بمعلومة مضللة أو ادعاء كاذب يُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، ثم تتبعه رسائل أخرى تعيد إنتاج الفكرة وتوسع نطاق انتشارها.

وأضاف أن سهولة إنتاج المحتوى المضلل وسرعة تداوله تجعلان منه أداة قابلة للاستخدام بصورة متكررة، حتى إذا ثبت عدم صحة إحدى الشائعات، إذ قد تظهر ادعاءات جديدة لتحل محلها، بما يضمن استمرار تدفق الرسائل المضللة.

مواجهة الشائعات مسؤولية مؤسسات الدولة والمجتمع

وأكد البرديسي أن مواجهة هذه الأدوات تتطلب توعية مستمرة وتعاونًا بين مؤسسات الدولة ومختلف مكونات المجتمع، مشيرًا إلى أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة أو مؤسسة بعينها.

وأوضح أن القيادات في مواقعها المختلفة، والمؤسسات التعليمية والثقافية، ووسائل الإعلام، والنخب، والمدرسين، إلى جانب مختلف الفئات المجتمعية، لديهم أدوار في بناء الوعي والتعامل مع الشائعات وخطاب الإحباط.

وشدد على أهمية تعزيز الأمل والتفاؤل في المجتمع، والتعامل مع المعلومات المتداولة بوعي، بما يساعد على الحد من تأثير التضليل ومنع تحول الرسائل السلبية المتكررة إلى حالة عامة من اليأس.

امتلاك أدوات التأثير ضرورة لمواجهة الحملات الإعلامية

وفي تقييمه لسبل التعامل مع الحملات الإعلامية التي وصفها بالمعادية، قال البرديسي إن المواجهة لا ينبغي أن تقتصر على وصف القائمين عليها بأنهم أصحاب أجندات أو توجهات معادية، بل يجب الانتباه أيضًا إلى امتلاك بعض عناصر هذه الحملات قدرات ومواهب إعلامية تساعدها على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.

وأشار إلى أن امتلاك خطاب وطني لا يكفي وحده لمواجهة هذه الحملات، ما لم يصاحبه تطوير أدوات التأثير والقدرة على مخاطبة الجمهور بمختلف فئاته ومستويات تلقيه.

وأكد أن الجمهور ليس كتلة واحدة، وأن طبيعة الرسائل وأساليب تقديمها يجب أن تراعي اختلاف الفئات وطرق استقبالها للمعلومات، بما يعزز قدرة الخطاب الإعلامي على الوصول والتأثير.

تم نسخ الرابط