الدكتور محمد راشد: قرار وزيرة الإسكان بالتخصيص بأسبقية الحجز يعيد توظيف الأراضي كأداة لجذب الدولار وتقليص مخاطر الاستثمار العقاري
أكد الدكتور محمد راشد، عضو أمانة الإسكان والتنمية العمرانية المركزية بحزب الجبهة الوطنية، واستشاري اقتصاديات التطوير العمراني وإدارة المخاطر، أن قرار المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، باستحداث آلية التخصيص بأسبقية الحجز للأراضي الاستثمارية يمثل تحولًا مهمًا في فلسفة إدارة الأصول العقارية للدولة، إذ يربط الحصول على الفرص الاستثمارية بقدرة الشركات على ضخ موارد دولارية من الخارج، ويفتح مسارًا جديدًا لتسريع استغلال الأراضي وتحويلها إلى مشروعات ذات عائد اقتصادي وعمراني.
وأوضح راشد أن القيمة الحقيقية للقرار لا تكمن فقط في استحداث طريقة جديدة لحجز الأراضي، وإنما في توظيف سياسة التخصيص كأداة لتحقيق أكثر من هدف اقتصادي في وقت واحد؛ بداية من جذب تدفقات نقد أجنبي، مرورًا بتحفيز الاستثمار الخاص، وصولًا إلى تقليص الفجوة بين إتاحة الأراضي وبدء تطويرها، بما يعزز كفاءة استخدام الأصول العامة ويرفع العائد الاقتصادي المتوقع منها.
وأضاف أن اشتراط سداد كامل قيمة الأرض بالدولار الأمريكي المحوّل من الخارج مقابل الاستفادة من أسبقية الحجز يمنح الشركات خيارًا مختلفًا عن نظام التقسيط والمفاضلة السعرية، ويتيح للدولة استقطاب شريحة من المستثمرين القادرين على توفير التمويل اللازم مقدمًا. لكنه شدد على أن الأثر الفعلي لهذه الآلية يتوقف على حجم الطلب الاستثماري الحقيقي، ومدى ملاءمة أسعار الأراضي وطبيعة الأنشطة المطروحة للجدوى الاقتصادية للمشروعات، وليس على قيمة التحويلات وحدها.
وأشار راشد إلى أن أحد التحديات الرئيسية في إدارة الأراضي الاستثمارية يتمثل في تكلفة الفرصة البديلة للأرض التي تظل دون تطوير؛ فالأرض غير المستغلة لا تعني فقط تأجيل عوائدها المباشرة، وإنما قد تعني أيضًا تعطيل فرص العمل، وتأخير تدفقات الاستثمار، وفقدان جزء من القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ عن تشغيل المشروعات والخدمات والأنشطة المرتبطة بها. ومن هنا، فإن أي آلية تستهدف تسريع انتقال الأرض إلى مرحلة التنفيذ يمكن أن تحقق مكاسب أوسع من مجرد حصيلة البيع، إذا ارتبطت بضوابط واضحة وجداول تنفيذ واقعية.
وأكد أن ربط أسبقية الحجز بالالتزام المالي يمثل أداة لفرز الطلبات وتعزيز الجدية، لكنه لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد لتقييم المستثمر؛ فالكفاءة الحقيقية تقاس أيضًا بقدرته على تنفيذ المشروع، وتوفير التمويل اللازم لمراحله المختلفة، والالتزام بالاشتراطات التخطيطية، وتقديم منتج يتناسب مع احتياجات السوق. فالحصول على قيمة الأرض لا يمثل نهاية العملية الاستثمارية، بل بدايتها، والعائد الأكبر للدولة يتحقق عندما تتحول الأرض إلى نشاط اقتصادي منتج ومستدام.
وفيما يتعلق بإدارة المخاطر، أوضح راشد أن الآلية الجديدة تفرض أهمية تحقيق التوازن بين سرعة الحجز وحماية حقوق الدولة، خاصة أن الحجز الإلكتروني يظل مبدئيًا ولا يمثل تخصيصًا نهائيًا، وفقًا للضوابط المعلنة. لذلك، فإن وضوح المهل الزمنية، والالتزامات المالية، وإجراءات إلغاء الحجز، وآليات استرداد أو مصادرة المبالغ وفقًا للقواعد المنظمة، يمثل عناصر ضرورية لتقليل النزاعات، وتعزيز الثقة، وضمان تكافؤ الفرص بين المستثمرين.
ولفت إلى أن تنويع منظومة الطرح بين التقسيط والمفاضلة السعرية من جهة، والتخصيص بأسبقية الحجز مقابل السداد الكامل بالدولار من جهة أخرى، يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة محفظة الأراضي الاستثمارية، شريطة أن تتناسب كل آلية مع طبيعة الأرض والنشاط المستهدف والظروف التمويلية للمشروع. فالتعامل مع جميع الأراضي بمنطق واحد قد لا يحقق أفضل عائد اقتصادي، بينما يسمح تنويع الأدوات بتوجيه الفرص إلى المستثمر والتمويل الأكثر ملاءمة لكل مشروع.
وأضاف أن القرار يمكن أن يدعم توجه الدولة نحو تصدير العقار المصري، لكنه يتطلب الانتقال من مفهوم تصدير الوحدات إلى بناء منظومة تنافسية متكاملة تشمل جودة التصميم، وكفاءة التخطيط، والبنية الأساسية، والخدمات، ووضوح الإجراءات، وسهولة التعامل مع المستثمرين والمشترين من الخارج. فالمنافسة في الأسواق الدولية لا تُحسم بالسعر وحده، وإنما بقدرة المنتج العقاري على تقديم قيمة واضحة ومستدامة، مدعومة بالثقة والشفافية وجودة التنفيذ.
وشدد راشد على أهمية الاستفادة من البيانات الناتجة عن منظومة الحجز الإلكتروني في بناء قاعدة معلومات أكثر دقة حول الطلب على الأراضي، وتفضيلات المستثمرين، والأنشطة الأكثر جذبًا لرؤوس الأموال، بما يساعد الجهات المعنية على تطوير سياسات الطرح وتسعير الفرص وتوزيع الاستثمارات جغرافيًا وفقًا لمقومات كل مدينة واحتياجاتها التنموية. ويمكن أن يسهم هذا النهج في الانتقال من إدارة الأراضي باعتبارها مخزونًا عقاريًا إلى إدارتها باعتبارها محفظة أصول ذات أهداف اقتصادية قابلة للقياس.
واختتم الدكتور محمد راشد تصريحه بالتأكيد على أن قرار التخصيص بأسبقية الحجز يتيح فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر العقاري على أساس سرعة الإجراءات وجدية التمويل وكفاءة التنفيذ، مشيرًا إلى أن الاختبار الحقيقي للآلية الجديدة سيكون في قدرتها على جذب استثمارات إضافية من الخارج، وتسريع تشغيل الأراضي، وتقليل مخاطر التعثر والتأخير، وتحقيق عائد اقتصادي مستدام يتجاوز حصيلة بيع الأرض إلى قيمة المشروعات التي تُقام عليها وما تولده من فرص عمل ونشاط إنتاجي وموارد جديدة للاقتصاد المصري.