عاجل

قد لا يمتّ الهالوين إلى وادي النيل بصلة نسب، لكنّ المصري القديم عرف، قبل آلاف السنين، عيدين أدّيا الوظيفتين الكبريين نفسيهما: شكر الأرض على عطائها، ووصل الأحياء بمن رحلوا.
مع آخر ليالي أكتوبر، تتبدّل وجوه المدن حول العالم. قرعٌ مضاءٌ يحدّق من النوافذ، وأقنعةٌ تتبارى في إثارة الفزع، وأطفالٌ يطرقون الأبواب ويعودون بجيوبٍ مثقلة بالحلوى. وفي القاهرة، حيث وصلت العدوى إلى واجهات المحالّ وحفلات المدارس الدولية، يتردّد سؤالٌ يبدو بريئاً: أليس لهذا العيد الغريب جدٌّ قديم على ضفاف النيل؟
الجواب الأمين، بلغة الأثريين، هو: لا. فالهالوين ابن أرضٍ أخرى ومناخٍ آخر وذاكرةٍ أخرى. لكنّ الجواب لا يكتمل عند هذه الكلمة. فإذا تركنا الأقنعة جانباً ونظرنا إلى الأسئلة التي يحاول العيد أن يجيب عنها، وجدنا المصري القديم قد طرحها قبل الجميع، وأجاب عنها بطريقته.
تبدأ القصة في أيرلندا، مع عيد "سامهاين"، وهو اسم يعني "نهاية الصيف". يوصف في العصور الوسطى بأنه أهمّ مواسم السنة الأربعة، يُحتفى به ليلة 31 أكتوبر وفجر الأول من نوفمبر، حين تُجمع الغلال ويُساق القطيع من المراعي إلى حظائر الشتاء. وفي حكايات تلك النصوص، كانت الحدود بين عالمنا وعالم الكائنات الخفية ترقّ في هذه الليلة، فتعبرها الأرواح وأهل التلال.
غير أنّ ما نعرفه عن سامهاين وصلنا مكتوباً بأقلام رهبانٍ مسيحيين بعد قرون من زوال الحضارة الكلتية، ولذلك يتعامل المؤرخون بحذرٍ مع العبارة الشائعة "أكثر من ألفي عام". بل إنّ مؤرخين بارزين، مثل البريطاني رونالد هاتون، يرون أنّ صورة سامهاين بوصفه "عيداً كلتياً للموتى" صاغها باحثو القرن التاسع عشر، ولم تقم على شواهد قديمة صلبة.
أما الاسم نفسه فمسيحيّ خالص. ففي القرن الثامن كرّس البابا غريغوري الثالث كنيسةً صغيرة في روما لجميع القديسين، وفي القرن التاسع عمّم خلفه غريغوري الرابع الاحتفال بعيدهم في الأول من نوفمبر. ومن "عشية جميع القديسين"، أي All Hallows' Eve، خرجت كلمة  Halloween.
وفي القرن التاسع عشر، حمل المهاجرون الأيرلنديون عاداتهم عبر الأطلسي. هناك صار القرع الأمريكي الكبير بديلاً من اللفت الذي كانوا ينحتونه فوانيس، وتطوّرت عادات قديمة لطرق الأبواب حتى استقرّت في القرن العشرين على صيغة "خدعة أم حلوى" التي يعرفها أطفال العالم اليوم.
في مصر القديمة لم يكن الحصاد موسماً من مواسم الحياة، بل كان الحياة نفسها. فكان العيد الحقيقي للحصاد يولد في الحقل، بين المناجل والأغاني والأكفّ التي تصفّق.
والمدهش أنّ هذا العيد كان يُفتتح بنداءٍ إلى إيزيس، الربّة التي علّمت البشر الزراعة، قبل أن يتحوّل الحقل كلّه إلى ساحة فرح. فمنذ الدولة القديمة تصوّر مشاهد الحصاد عمّالاً يرقصون ويضربون عصيّهم بعضها ببعض، بينما يضبط التصفيق إيقاع البهجة.
وأجمل هذه المشاهد لوحةٌ من الدولة القديمة يحتفظ بها اليوم المتحف البريطاني، يرى فيها البعض احتفالاً بالحصاد. في أسفلها حصّادون يقطعون السنابل وحميرٌ تنوء بالغلّة، وفي وسطها فتاتان ترقصان يتبعهما صبيةٌ يلهون، وقد وضع أحدهم على وجهه قناعاً يشبه رأس أسد. وكأنّ الصورة تهمس بأنّ الأقنعة لم تكن غريبةً عن احتفالات المصري قبل الهالوين بأكثر من أربعة آلاف عام.
وللغلال إلهةٌ قريبة من الناس هي "رننوتت"، كان الفلاح يهديها باكورة محصوله قبل أن يملأ مخزنه. وقد بلغ حضورها أن حمل اسمَها شهرٌ كامل، "با-رننوتت"، الذي صار في القبطية "برمودة"، الشهر الذي ما زال الفلاح يقول فيه: "برمودة دُق بالعمودة".
هكذا كان عيد الحصاد في مصر القديمة يبدأ بالسنبلة الأولى، ويمرّ برقصة صبيٍّ مقنّع، وينتهي بأغنيةٍ فوق البيدر الممتلئ.

إذا كان الهالوين قد ورث من الحكايات القديمة فكرة الأرواح العائدة، فإنّ المصري القديم لم ينتظر أن يعود موتاه إليه، بل ذهب هو إليهم.
في "عيد الوادي الجميل"، أحد أبهى أعياد طيبة، كانت مراكب أرباب طيبة المقدّسة تعبر النيل من معابد الكرنك في الشرق إلى البرّ الغربي، حيث يرقد الأجداد. وكانت الأسر تتبع الموكب إلى المقابر، تحمل الزهور والطعام والشراب، فتقيم الولائم عند أبواب المقابر، كأنّ الموتى يجلسون إلى المائدة مع أحفادهم. وكانت باقات الزهور تُحمل إلى المقابر، فتوضع أمام الراحلين كأنها رسالة حياة.
وحين يهبط الليل، كانت المشاعل تُضاء عند المقابر، ويسهر الأحياء قرب موتاهم حتى الصباح، في مشهدٍ يكاد يكون الصورة المعكوسة للهالوين: هناك يخشى الناس عودة الأرواح فيتنكّرون منها، وهنا يذهب الناس إلى الأرواح بأنفسهم، يحملون إليها الطعام والزهور والموسيقى. وقد ترك هذا العيد أثره في التقويم نفسه، فالشهر الذي كان يُقام فيه عُرف باسم "شهر الوادي"، وهو "بؤونة" في التقويم القبطي الذي ما زال الفلاح المصري يعرفه حتى اليوم.
وما زالت ظلال هذه العادة حاضرة في مصر اليوم: في "طلعة القرافة" صباح العيد، وفي القُرَص التي توزّع عند المقابر، وفي الزهور والخوص الذي يحمله الزائرون إلى قبور أحبّتهم. لم يعد أحد يعبر النهر خلف مركب آمون، لكنّ الطريق إلى المقابر لم ينقطع.
لا "سامهاين" وصل إلى وادي النيل، ولا "عيد الوادي الجميل" عبر البحر إلى أيرلندا. ولا يسعنا، أمانةً للتاريخ، أن نبحث للهالوين عن جدٍّ مصري قديم، كما لا يسعنا أن نصدّق كلّ ما يُروى عن جذوره الكلتية نفسها.
لكنّ التشابه في الوظيفة لافت. هنا وهناك وقف الإنسان أمام حقلٍ حُصد للتوّ فشكر، ووقف أمام قبرٍ فتذكّر. وهذا يدلّ على حقيقة إنسانية أعمق تتشابه في جوهرها، وإن تباعدت بينها البحار والقرون.
صار الهالوين اليوم كرنفالاً عالمياً للترفيه والتسويق، وبقيت أعياد المصري القديم عاداتٍ يمارسها أحفاده دون أن ينتبهوا إلى عمرها. لكنّ كليهما، في أصله، كان لحظةً يلتفت فيها الإنسان إلى الأرض التي تطعمه، وإلى الذين سبقوه إليها.
فالأصول مختلفة، نعم. لكنّ الأفكار تتوارث.

تم نسخ الرابط