الحادي عشر من سبتمبر عام 2001... يومٌ غيّر وجه العالم.
يومٌ بدأت أحداثه في لحظات عادية... ثم تحولت تلك الساعات إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في التاريخ الحديث.
أربع طائرات... أبراج مركز التجارة العالمي... مبنى البنتاجون... وطائرة سقطت في ولاية بنسلفانيا.
لكن خلف المشهد الذي شاهده العالم على شاشات التلفاز... نشأت روايات وأسئلة لا تزال تتردد حتى اليوم.
من خطط؟ .... من نفذ؟... ومن كان يعلم مسبقًا؟... وهل كان تنظيم القاعدة هو صاحب القرار الحقيقي...
أم أن دوره، كان جزءًا من سيناريو أكبر؟
في هذه الحلقة... نقترب من واحدة من أكثر النقاط حساسية في ملف 11 سبتمبر: دور تنظيم القاعدة.
وهل كانت عناصر التنظيم هي المنفذة الفعلية للهجمات... أم أن بعض أفراد التنظيم، استُخدموا لتكوين رواية استخباراتية وإعلامية تقود العالم إلى استنتاج محدد؟
هذه ليست إجابة نهائية... بل قراءة تحليلية للوقائع والشهادات التي تستند إليها.
اولاً: لماذا تنظيم القاعدة؟
هناك حقيقة واضحة يجب أن تكون حاضرة أمامنا الا وهى أن الولايات المتحدة الامريكية هي من قامت بتأسيس تنظيم القاعدة في أفغانستان ليقوم بالحرب بالوكالة عنها ضد الاتحاد السوفيتى.
عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر... كان السؤال الأول الذي واجه أجهزة الأمن والاستخبارات: من يقف وراء هذا الهجوم؟.... وسرعان ما برز اسم تنظيم القاعدة... وبالتحديد زعيمه أسامة بن لادن... لكن الحقيقة تشير الى شئ مختلف.
فهي ترى أن تنظيم القاعدة لم يكن، في جوهر دوره، المنفذ الحقيقي للهجمات... وإنما جرى استخدام عدد من عناصره ليكونوا جزءًا من رواية يمكن الاستناد إليها لاحقًا لإقناع العالم بأن التنظيم هو المسؤول عن الهجمات.
فمهمة التنظيم لم تكن تنفيذ العملية بصورة مباشرة... بل تقديم سلسلة من الأدلة والقرائن التي يمكن توظيفها استخباراتيًا وإعلاميًا.
أشخاص... اتصالات... تحركات... تدريبات... وعلاقات مع عناصر موجودة في دول مختلفة... كل هذه العناصر، كانت قابلة للتحويل إلى خيوط تدفع التحقيقات نحو جهة بعينها.
وهنا يظهر السؤال: هل كان وجود عناصر القاعدة داخل الولايات المتحدة قبل الهجمات صدفة؟.. أم أن تحركاتهم كانت مرصودة؟ ... وهل كانت بعض الأجهزة تعرف بتحركاتهم قبل وقوع الأحداث؟.. وإذا كانت تعرف... فلماذا لم تمنع الهجوم؟
ثانياً: مدارس الطيران والوجود داخل الولايات المتحدة
لقد إرسل تنظيم القاعدة عدد من عناصر إلى الولايات المتحدة للالتحاق بمدارس لتعلم قيادة الطائرات... ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه القضية... محمد عطا.
لقد جرى تسكين مجموعة من هؤلاء الأشخاص في بناية جرى تجهيزها فنيًا للمراقبة... وتمت متابعة تحركاتهم واتصالاتهم.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.... لأن السؤال لم يعد: هل كان هؤلاء الأشخاص موجودين؟
بل: هل كانت أجهزة الأمن تعرف بوجودهم وتحركاتهم؟ ... وهل كانت تملك معلومات كافية عن هويتهم واتصالاتهم؟... وما الهدف من مراقبتهم؟ ... هل كان الغرض منع عملية إرهابية؟ ... أم جمع معلومات يمكن استخدامها بعد وقوعها؟
وهنا نؤكد أن عناصر التنظيم لم يكونوا خارج دائرة السيطرة...بل كانوا موجودين تحت أعين الأجهزة الأمنية.
ومن هنا ينشأ السؤال الأكبر: إذا كانت المراقبة موجودة... فكيف وصلت العملية إلى يومها النهائي؟
هل كان هناك فشل استخباراتي؟ ... أم تجاهل؟ ... أم أن المعلومات كانت موجودة، لكن لم تُقرأ بالطريقة الصحيحة؟
هذه الأسئلة هي التي مهدت لسنوات طويلة من الجدل.
ثالثاً: الاتصالات والتحذيرات السابقة
المحور الثاني الذي تؤكدة تلك المادة... هو الاتصالات.
فبحسب الحقيقة المعروضة... لم يقتصر الأمر على وجود عناصر من التنظيم في الولايات المتحدة.
بل تم بتنسق بين الاستخبارات الامريكية وقيادات التنظيم للدفع بأعدد أخرى في دول عربية وغربية مختلفة... ثم أعقب ذلك قيام الاستخبارات الامرريكية بإخطار عدة دول - في اطار التنسيق الامنى وتبادل المعلومات - بوجود عناصر محددة من القاعدة على أراضيها... ليأتى عقب ذلك رصد تلك الدول لتواصل بين تلك العناصر وبين عناصر متواجدة في أفغانستان وعدد من الدول الغربية.
وأن هذه الاتصالات أشارت الى الاعداد لتنفيذ عمل عدائى ضخم ضد الولايات المتحدة الامريكية.
لكن... هل وصلت التحذيرات فعلًا؟... وهل كانت تحمل تفاصيل كافية؟ ... وهل فهمت أجهزة الاستخبارات الأمريكية معناها؟... هذه الأسئلة تقودنا إلى تصريح شديد الأهمية ... وهو ما نُسب إلى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بشأن تحذير أمريكي من هجوم مرتقب.
رابعاً: التحذير المصري كما ورد على لسان الرئيس الأسبق حسنى مبارك
نشير هنا إلى ما نُشر في صحيفة نيويورك تايمز بشأن تصريحات للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في عام 2002... قال مبارك إن أجهزة الاستخبارات المصرية حذرت الجانب الأمريكي قبل نحو أسبوع من أحداث 11 سبتمبر... من أن شبكة أسامة بن لادن كانت في مرحلة متقدمة من الاستعداد لتنفيذ عملية كبيرة ضد هدف أمريكي.
والأكثر أهمية... أن الرواية المنقولة عن مبارك تشير إلى أن الجانب المصري حاول، عبر مصدر سري مرتبط بشبكة بن لادن، الوصول إلى معلومات تساعد في وقف العملية أو تأجيلها.
لكن... بحسب هذا التصريح... لم تكن الأجهزة المصرية تعرف طبيعة الهدف بدقة... ولم تكن تعرف حجم العملية.
إذاً كان هناك علم باحتمال وقوع هجوم... لكن ليس بالضرورة العلم بأنه سيكون بالطريقة التي حدثت في 11 سبتمبر.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية... فمعرفة جهاز استخبارات بوجود خطر عام... لا تعني بالضرورة امتلاكه معلومات محددة عن العملية.
وهذا هو الفرق بين: التحذير... والمعلومة العملياتية الدقيقة.
خامساً: صناعة الرواية
ونصل هنا الى استنتاج أساسي ... فوجود عناصر من تنظيم القاعدة داخل الولايات المتحدة... وظهورهم في مدارس الطيران... ومتابعة تحركات بعضهم... ووجود اتصالات وتحذيرات سابقة... كل ذلك شكّل، مادة يمكن استخلاص الحقيقة منها وعرضها أمام الرأي العام.
حقيقة تقول: هناك تنظيم إرهابي... عناصره دخلوا الولايات المتحدة... تدربوا على الطيران... تواصلوا مع بعضهم... وأقدموا على تنفيذ العملية. .. لكن الحقيقة تذهب إلى أبعد من ذلك.
فهو يرى أن بعض هذه الوقائع لم تُستخدم فقط للوصول إلى الحقيقة... وإنما، لبناء دليل يقود العالم إلى نتيجة محددة.
وهنا ندخل إلى مفهوم خطير في العمل الاستخباراتي والإعلامي: التغطية والخداع.
ليس المقصود، في هذا السياق، مجرد إخفاء الحقيقة... بل تقديم وقائع صحيحة أو جزئية يمكن تركيبها بطريقة تؤدي إلى استنتاج معين...لكن هل تكفي هذه العناصر وحدها لإثبات هذا الاستنتاج؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.... وجود عناصر من القاعدة في الولايات المتحدة... ووجود تدريبات واتصالات... يمثل القطع المتناثرة والتي يمكن بجمعها أن تكتمل الصورة الحقيقية التي تسعى المخابرات الامريكية لاخفائها عنك، ولعل ما يؤكد ذلك الإعلان عن أسماء المنفذين في الدقائق الأولى للهجوم وقبل بدء التحقيقات.
سادساً: من التنظيم إلى المنفذ الظاهر
إن الدور الذي قامت به عناصر تنظيم القاعدة كان، بصورة أساسية، دورًا تمهيديًا... دورًا يوفر المعلومات والوقائع والأشخاص الذين يمكن ربطهم بالعملية.
عناصر موجودة داخل الولايات المتحدة... أشخاص يتعلمون قيادة الطائرات... اتصالات بين عناصر التنظيم...
تحذيرات استخباراتية... ثم تسجيلات وصور وتحركات يمكن ربطها بالقصة.
كل ذلك... بحسب هذا الطرح... كان كافيًا لتقديم تنظيم القاعدة باعتباره المنفذ أمام الرأي العام العالمي.
وهنا نصل إلى سؤال شديد الأهمية: هل يمكن أن تكون جماعة ما قد ارتكبت بعض الأفعال... وفي الوقت نفسه تكون جهة أخرى قد استثمرت وجودها لتحقيق هدف أكبر؟
هذا السؤال من حيث المبدأ يختلف عن القول بوجود مؤامرة محددة... لأنه يتطلب أدلة منفصلة عن مجرد وجود الجماعة أو عناصرها.
ولهذا... عندما نتناول ملفًا بهذه الحساسية... يجب أن نبحث عن: الأوامر... ومسارات التمويل... والوثائق... والاتصالات... والتنسيق... والأدلة القابلة للتحقق.
سابعاً: ماذا نريد أن تقول؟
في النهاية... نصل إلى موقف واضح.
وهو أن تنظيم القاعدة، لم يكن إلا جزءًا من عملية أوسع.... جزءًا تم استخدامه لتقديم الأدلة التي يمكن من خلالها إقناع العالم بأن التنظيم هو من نفذ الهجمات، وربط التنفيذ بالاسلاميين لنعتهم بالإرهاب وظهور مصطلح الاسلاموفوبيا، ليشهد العالم موجة من الاطهاد للاسلام ويتحول دور الإسلاميين من الداعين الى الإسلام الى المدافعين عنه.
وإن هذا السيناريو أدى وظيفة سياسية واستخباراتية مهمة: تحديد العدو... تحديد المسؤول... ثم الانتقال من الحدث إلى مرحلة الرد.
وهنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية وهى: ماذا حدث بعد 11 سبتمبر؟
فالهجمات أصبحت نقطة انطلاق للحرب على الإرهاب... ثم حرب أفغانستان... ثم العراق... وتوسعت الولايات المتحدة في إعادة صياغة استراتيجيتها الأمنية والعسكرية والسياسية.
فأحداث 11 سبتمبر لم تكن مجرد حدث أمني... بل كانت، نقطة انطلاق لمشروع سياسي واستراتيجي أوسع.
إن قراءة التاريخ من هذه الزاوية... تعني الانتقال من سؤال: من نفذ؟.. إلى سؤال آخر: كيف استُخدمت النتيجة؟... ثم سؤال ثالث: من استفاد من التحولات التي جاءت بعدها؟
السؤال الذي بقي مفتوحًا.... بعد مرور سنوات طويلة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر... لا تزال القضية حاضرة في النقاش التاريخي والسياسي.
هناك رواية رسمية... وهناك روايات بديلة... وهناك وثائق وشهادات وتحليلات تختلف في تفسيرها للوقائع.
ولكن الحقيقة المؤكدة تقول إن تنظيم القاعدة لم يكن سوى جزء من واجهة استخدمت لإقناع العالم بمسؤوليته عن الهجمات... وأن جهاز المخابرات الامريكية كان يقف خلف التخطيط والتنفيذ والاستفادة من النتائج في خلق عدو جديد عدو يسمح له بدخول كل دوله بل كل بيت هذا العدو هو "الإرهاب".
الحادي عشر من سبتمبر... ليس مجرد تاريخ... إنه حدث أعاد تشكيل السياسة والأمن والعلاقات الدولية لعقود... وربما كان السؤال الأهم الذي بقي مفتوحًا: هل عَرِف العالم كل الحقيقة؟
في الحلقة القادمة: الاحتلال الأمريكي لأفغانستان… الأسباب الخفية ومراحل الحرب