عاجل


كان ذلك في خريف عام ٢٠٠٠ حين كنت أقضي فترة تجنيدي بالقوات الجوية المصرية بينما كان صديقي العزيز الفنان عماد زيادة يؤدي هو الآخر خدمته العسكرية بقوات الدفاع الجوي ؛ كانت أيامًا لها مذاق خاص تختلط فيها مشاغل الحياة العسكرية بتفاصيل الحياة المدنية وتظل بعض المواقف الصغيرة عالقة بالذاكرة سنوات طويلة لا لشيء إلا لأنها تحمل في طياتها شيئًا من الغرابة التي لا تنساها الأيام ..
كنت أمتلك آنذاك سيارة جيب شيروكي زيتية اللون تشبه في طلتها وهيئتها سيارات الجيش ولعل لونها وطابعها العسكري كانا يضفيان عليها مظهرًا مميزًا وكان بها جهاز بسيط للمكالمات الهاتفية عبارة عن شاحن يُركّب في ولاعة السيارة متصل بسماعة مكبرة تتيح للمكالمة أن تُسمع بصوت مرتفع في أرجاء السيارة بمجرد توصيل الهاتف بسلكه ؛ ولم أكن أعلم أن هذه السيارة بكل ما فيها من تفاصيل عادية ستصبح جزءًا من حكاية غريبة أستعيدها اليوم تحت عنوان: «أنا وعماد زيادة والثعبان»!! 
في صباح أحد أيام ذلك الخريف أيقظتني أمي رحمها الله على غير عادتها كان وجهها شاحبًا وتبدو عليه علامات الفزع وكأنها تحمل إليّ خبرًا لا تعرف كيف تبدأ في روايته ؛ أخبرتني أن الست نادية الطباخة نزلت إلى الطابق الثالث من بنايتنا في الدقي لتحضر طبقًا من اللحم المحفوظ في الفريزر وكانت هذه الشقة هي شقة زواجي المستقبلي إلا أن أمي كانت تستغل مطبخها في تخزين الطعام والاحتفاظ بالمؤن ..
لكن الست نادية لم تجد اللحم وحده في ذلك المكان فقد عثرت على أثر يشبه أثر ثعبان على الأتربة والغبار المتراكم فوق الأرض !! ولأن الأمر بدا مثيرًا للريبة أخذت تتتبع ذلك الأثر خطوة بعد أخرى حتى قادها إلى غرفة الصالون وهناك كانت المفاجأة التي زادت الأمر غرابة حمامة ميتة!
لم يكن المشهد عاديًا ولم يكن من السهل أن يمر الخبر مرور الكرام !! ثعبان في شقة مغلقة وأثر يمتد فوق الغبار وحمامة ملقاة بلا حراك في نهاية الطريق !! كيف وصل هذا الثعبان إلى هناك؟ ومن أين دخل؟ وهل كان لا يزال مختبئًا في مكان ما داخل الشقة؟
والأكثر إثارة للقلق أنني تصورت أن الثعبان لا بد أن يكون شرسًا بعدما بدا أن الحمامة المسكينة قد لقيت حتفها على يديه يا لها من غابة !!
وجدت نفسي أمام لغز حقيقي أو هكذا بدا لي في تلك اللحظة ولم أكن أعرف أين اختفى الثعبان ولا ما إذا كان لا يزال يتربص في إحدى زوايا الشقة ولا كيف يمكن التعامل مع موقف كهذا !!
ولم أجد أمامي سوى أن أتصل بصديقي عماد فقد كان يؤدي خدمته في قوات الدفاع الجوي كما ذكرت وكنت أظن أن خبراته العسكرية قد تساعده في التعامل مع هذا النوع من المواقف ؛ رويت له القصة كاملة: أثر الثعبان فوق الغبار والحمامة الميتة في غرفة الصالون والقلق من أن يكون ذلك الكائن مختبئًا في مكان ما داخل الشقة.
استمع عماد إلى كلامي باهتمام ثم بدأ يفكر في الأمر كما لو أنه يتعامل مع مهمة عسكرية تحتاج إلى تقدير دقيق للموقف وسألني عن تفاصيل المكان وعن حجم الأثر وعن الغرف التي يمكن أن يكون الثعبان قد مر بها ثم خلص بعد تفكير إلى نتيجة بدت في ذلك الوقت منطقية وحاسمة:
( لا بد أن نحضر «رفّاعيًا» إلى المنزل ليستخرج الثعبان ويقتله ) 
لم يكن أمامنا بحسب تقديره حل آخر فالثعبان مجهول المكان وقد أثبت أنه قادر على اصطياد حمامة وربما كان لا يزال مختبئًا في إحدى الزوايا ينتظر أن يقترب منه أحد ؛ أما نحن فلم نكن نملك الخبرة ولا الأدوات اللازمة لمواجهة ثعبان شرس داخل شقة مغلقة.
وهكذا تحولت الحكاية من مجرد أثر غامض وحمامة ميتة إلى مهمة حقيقية حيث العثور على رفّاعي يستطيع دخول الشقة وتعقب الثعبان وإنهاء وجوده قبل أن يتحول الأمر إلى خطر على أحد .. 
وهكذا بدأ يومي على غير ما توقعت فبدلًا من أن يكون صباحًا عاديًا من صباحات خريف عام ٢٠٠٠ وجدت نفسي في مواجهة حكاية غريبة كان بطلها الأول ثعبانًا مجهول المكان وكانت نهايتها لا تزال في علم الغيب ؛ أما عماد فقد أصبح شريكًا في هذه المغامرة وصارت سيارتي الجيب الشيروكي الزيتية جزءًا من خطة البحث عن الرجل القادر على مواجهة ذلك الزائر الغامض في جبل ابو رواش .. 
اجتمعنا أنا وعماد مع اخي الأكبر اشرف واخي الراحل ايهاب لوضع خطة دقيقة لإحضار رجل جبل ابو رواش الغامض من الرفاعية وللحديث بقية الأسبوع القادم ..

تم نسخ الرابط