في خضم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والتعقيدات الجيوسياسية المتصاعدة التي تشهدها إثيوبيا، تلجأ المؤسسات الدفاعية والعسكرية كفاعل رئيس إلى إعادة صياغة خطابها الإعلامي الرسمي لتشكيل واقع يخدم أهدافها الاستراتيجية، ومواجهة التوترات الداخلية والتحديات الإقليمية على حد سواء؛ حيث لا يقتصر دور المؤسسة العسكرية على إدارة العمليات الميدانية فحسب، بل يمتد ليشمل توظيف "الدبلوماسية العسكرية" لتأطير القضايا السيادية الحساسة، وفي مقدمتها ملف الوصول إلى البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، يبرز البيان الرسمي الصادر في أواخر أكتوبر الحالي عن اللواء تشومي جيميتشو، مدير عام العلاقات الدولية والتعاون العسكري بالقوات المسلحة الإثيوبية، والذي نُشر عبر "شبكة أديس ميديا الإعلامية" (AMN) والمنصات الرسمية؛ كنموذج بارز لممارسات الدبلوماسية العسكرية ومحاولات إعادة تموضع الدولة. وقد جاءت هذه التصريحات خلال إحاطة قدمها اللواء لوزير الدفاع محمد إدريس وقيادات الوزارة حول الأنشطة العامة، مؤكداً تحقيق نتائج استراتيجية ملموسة، ولا سيما في تعزيز فهم المجتمع الدولي لظروف الصراعات الداخلية، ورغم حرص الخطاب المعلن على تقديم صورة مكثفة تعكس تطور الجيش وجاهزيته وأهميته الإقليمية، إلا أنه اتسم بالخلو التام من "المؤشرات المادية الرقمية" والمعطيات الملموسة القابلة للقياس، مما يكشف عن وجود فجوة دلالية واستراتيجية بين الترويج الإعلامي والواقع الميداني والأمني المعقد في البلاد.
بناءً على ما تقدم، تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة نقدية لهذا الخطاب الإعلامي، لبيان الفجوة القائمة بين الترويج الرسمي وغياب المؤشرات الرقمية أو الاتفاقيات المادية الملموسة. وتطرح الورقة تساؤلاً رئيسًا مفاده: ما الوظائف الاستراتيجية التي تحاول المؤسسة العسكرية الإثيوبية تأديتها من خلال هذا الخطاب؟ وكيف تجسدت مظاهر "غياب المؤشرات"، وما أثر ذلك على المصداقية التحليلية للمادة الإخبارية؟
أولاً: البنية الدلالية لخطاب المؤسسة العسكرية بين الردع الإقليمي وغياب الأدلة الميدانية
تجلى الطابع الدبلوماسي على خطاب اللواء تشومي جيميتشو، الذي اعتمد فيه على توظيف عبارات عامة وغير محددة، من قبيل الإشارة إلى "الأهمية الإقليمية في القرن الأفريقي" و"بناء جيش قوي" و"جهود إثيوبيا وقدراتها العسكرية القائمة" وغير ذلك، دون تقديم خطوات تنفيذية أو مبررات موضوعية تدعم هذه الادعاءات؛ حيث يُنسَب النجاح إلى "الدبلوماسية العسكرية" كواقع مفروغ منه دون توضيح للروابط المنطقية التي أدت إلى هذه النتائج. ويرتكز هذا الخطاب في جوهره على إدارة الانطباعات والردع الإقليمي، مُتَّخِذًا من التصريح رسالة اختبار ودفع سياسي موجهة نحو دول القرن الأفريقي والمنافسين، لإظهار الجيش بمظهر القوة ذات النفوذ الناعم والقدرة على فرض الأجندة.
وفي هذا السياق، يتجلى الأثر التحليلي للخطاب في تحوله من تقرير إنجاز مؤسسي إلى رسالة تعبيرية شفاهية تُستبدل فيها الحقائق الرئيسة بانطباعات موجهة، لا سيما مع غياب المعطيات الرقمية الدالة على الاتفاقيات الدفاعية أو حزم التدريب، وتجاهل الإفصاح عن هوية الأطراف والاكتفاء بالاستشهاد المبهم بـ "المجتمع الدولي"، والاعتماد على "عمومية الإسناد"، مكتفياً بمرجعيات مبهمة دون تسمية أطراف أو جهات إقليمية ودولية، مما يخلق صورة ذهنية عن نجاح مفترض يلبي حاجة السلطة لإثبات وجودها الاستراتيجي.
ثانيًا: الخطاب العسكري كأداة لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية
يكشف التحليل النقدي للخطاب القائم على وظيفة استراتيجية قائمة على "صرف الانتباه" للتغطية على حالة الاستنزاف والأزمات الداخلية المعقدة؛ إذ يمارس الخطاب حَجْباً متعمداً للاضطرابات الأمنية والنزاعات المسلحة المتفاقمة في أقاليم حيوية كـأمهرة وأوروميا وغيرهما، كذلك الضغوط الاقتصادية المترتبة عليها. ويتحقق ذلك من خلال صياغة "سردية بديلة" تُبرز الجيش بمظهر المؤسسة الوحيدة القوية والمستقرة، وتُسقِط تركيز الرأي العام على طموحات جيوسياسية خارجية (كـ "الوصول إلى البحر الأحمر") بعباءة الدبلوماسية العسكرية من خلال توجيه رسائل طمأنة للرأي العام الداخلي بأن القيادة العسكرية تدير شؤون البلاد بكفاءة واقتدار.
ثالثًا: التوظيف الجيوسياسي لملف "المنفذ البحري" وغياب المؤشرات
سعى الخطاب الرسمي إلى تسويق الطموح الإثيوبي بالوصول إلى البحر الأحمر بعباءة دبلوماسية، محاولاً إعطاء انطباع بأن هذا المسعى لا يتم عبر الإكراه، بل يجري ضمن "أطر دبلوماسية عسكرية" من خلال إقناع المجتمع الدولي، غير أن "غياب المؤشرات" يتجلى بأوضح صوره في هذا الملف بالتحديد؛ إذ تحدث البيان عن نجاحات استراتيجية دون إيراد أي دليل، أو شواهد توثيقية معلنة، متجاهلاً كلياً حالة الرفض الإقليمي والتوترات الجيوسياسية الرافضة لهذه التحركات. وفي هذا السياق، جاء الخطاب مستهدفاً إرسال رسائل طمأنة للرأي العام الإثيوبي بأن الدولة تقطع شوطاً حاسماً نحو تحقيق حلمها الاستراتيجي، وهو ما يخدم وظيفة مزدوجة تتمثل في صناعة الشرعية الوهمية، والتعويض عن التحديات الداخلية عبر توظيف الخطاب كستار إعلامي لصرف الانتباه عن الاضطرابات الأمنية والنزاعات المسلحة والضغوط الاقتصادية، لإبراز الجيش في صورة المؤسسة الوحيدة القوية والمستقرة.
ختاماً، سعت هذه الورقة إلى التفكيك النقدي لخطاب المؤسسة الدفاعية الإثيوبية، من خلال تحليل التصريح الرسمي الصادر عن وزارة الدفاع والنُّشر عبر "شبكة أديس ميديا الإعلامية" ، وقد أظهر التحليل اعتماد البيان في وظائفه الاتصالية والسيادية على العموميات والمفاهيم العامة بصورة مطلقة، مع خلوّه التام من أي أرقام أو اتفاقيات ملموسة تُفسّر الإشارات الواردة فيه؛ الأمر الذي يُولّد لدى المتلقي انطباعًا وهميًا بالنجاح لتلبية احتياجات السلطة السياسية وتوجيه الرأي العام، دون استناد إلى معطيات ميدانية أو قانونية قائمة. مما يستدل على أن هذا النوع من الخطابات الإعلامية يُوظَّف كـ "أداة استراتيجية" لتحقيق الردع الإقليمي وبناء الشرعية السياسية؛ فضلاً عن دوره في تشتيت الانتباه عن الأزمات الأمنية والنزاعات الداخلية المتفاقمة (كالمواجهات المسلحة والتراجع الاقتصادي)، وذلك عبر خلق "سردية إعلامية" تركز على مظاهر القوة والتمكين للتغطية على التعثرات الميدانية في الداخل من جهة، وممارسة مناورة وضغط إعلامي على البيئة الإقليمية في القرن الأفريقي من جهة أخرى.