في السياسة الدولية، لا تأتي الرسائل المهمة دائمًا من ميادين القتال. أحيانًا يحملها صندوق انتخاب، أو تحرك شعبي، أو خلاف حول قرار عسكري، أو لقاء دبلوماسي يجمع أطرافًا متباينة المصالح في لحظة تتزايد فيها مخاطر التصعيد.
خلال أيام قليلة، تتابعت مشاهد من البرازيل وصربيا وإسرائيل وطهران. أربعة مسارات مختلفة، لكنها تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز حدود كل حدث: هل أصبحت قدرة القوى السياسية والدولية على التحكم في مسارات الأحداث أكثر صعوبة، وهل تتسع المساحة المتاحة أمام المجتمعات والدول لإعادة تشكيل حسابات النفوذ؟
في البرازيل، فاز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية جديدة، هي الرابعة له، بعدما حصل على 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه فلافيو بولسونارو. وجاءت النتيجة بفارق تجاوز 4.4 مليون صوت، في سباق عكس استمرار الانقسام السياسي داخل المجتمع البرازيلي، وأظهر أهمية التعبئة الشعبية والحضور الرقمي في معركة انتخابية شديدة التنافس.
وفي صربيا، أظهرت النتائج الأولية الرسمية تقدم القائمة المدعومة من الحركة الطلابية بنسبة 52.71%، مقابل 39.17% لقائمة ألكسندر فوتشيتش، وفق النتائج التي أعلنتها اللجنة الانتخابية استنادًا إلى الأصوات التي جرى فرزها من غالبية مراكز الاقتراع. وجاء ذلك بعد احتجاجات ممتدة ارتبطت بمطالب المحاسبة ومكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات.
لكن الدلالة الأوسع لهذه التطورات لا تتعلق بتطابق التجربتين، بل بقدرة الانتخابات على إعادة ترتيب المشهد السياسي. ومع ذلك، تظل لكل تجربة ظروفها الخاصة، ولا يكفي تقدم انتخابي أو تغير في موازين المقاعد وحده للحكم على اتجاهات السياسة الدولية.
غير أن المشهد الأكثر حساسية في هذه التطورات يتشكل داخل إسرائيل، حيث لا تدور الانتخابات حول التنافس على مقاعد الكنيست فحسب، بل تجري في ظل تداعيات الحرب، والأسئلة المتعلقة بإخفاقات السابع من أكتوبر 2023، والانقسام بشأن إدارة الصراع، ومستقبل العلاقة مع المحيط الإقليمي.
وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من كونها الأولى منذ هجمات السابع من أكتوبر وما أعقبها من حرب في غزة واتساع المواجهات إلى ساحات إقليمية أخرى. ولذلك، فإن الاقتراع يمثل اختبارًا سياسيًا لبنيامين نتنياهو، ولسجل حكومته في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية، كما يمثل اختبارًا لخصومه وقدرتهم على تقديم بديل يستطيع جمع أغلبية برلمانية.
فالانتخابات الإسرائيلية لا تُحسم بمجرد تقدم حزب أو تراجع آخر. نظام التمثيل النسبي يجعل تشكيل الحكومة مرتبطًا بتوزيع المقاعد بين الأحزاب، وقدرة المعسكرات المتنافسة على بناء ائتلاف يضمن الأغلبية المطلوبة داخل الكنيست. ولهذا، قد لا تنتهي المعركة عند إغلاق صناديق الاقتراع، بل تنتقل إلى مفاوضات سياسية قد تعيد رسم التحالفات وتحدد شكل الحكومة المقبلة.
لكن المؤشر اللافت في يوم التصويت كان حجم المشاركة. فقد بلغت نسبة التصويت 31.5% بحلول الظهر، ثم ارتفعت إلى 44.9% عند الثانية ظهرًا، ووصلت إلى 55.7% عند الرابعة عصرًا، وفق بيانات لجنة الانتخابات المركزية. وكانت النسبة المسجلة عند الرابعة عصرًا الأعلى في هذا التوقيت منذ بدء رصد هذه المؤشرات عام 1973.
هذه الأرقام لا تعني أن النتيجة حُسمت، ولا تكشف بمفردها عن الطرف المستفيد، لكنها تشير إلى أن قطاعات واسعة من الناخبين تنظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة للتأثير في اتجاه الدولة. وتزداد أهمية هذا المؤشر عندما نضعه في سياق الانقسام الحاد حول الحرب، وأداء الحكومة، وطبيعة التحالفات التي قد تقود إسرائيل في المرحلة المقبلة.
واللافت أن المشاركة العربية أصبحت إحدى النقاط البارزة في المشهد الانتخابي، خصوصًا في مدينة رهط ذات الغالبية العربية البدوية في النقب. فقد سجلت المدينة إقبالًا ملحوظًا على التصويت، في ظل قضايا داخلية تؤثر في حياة المواطنين العرب، من بينها هدم المنازل، والعنف المسلح، والخلافات حول السياسات والموارد المخصصة للبلدات العربية.
وهنا يظهر إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي وأحد أبرز وجوه اليمين المتشدد في الحكومة، الذي كثّف دعواته لأنصاره إلى التصويت، في مواجهة ما وصفه بارتفاع المشاركة العربية. وخلال تحركاته الانتخابية، دعا مؤيديه إلى التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع، رابطًا بين مشاركتهم وبين الحفاظ على هوية إسرائيل بوصفها دولة يهودية وصهيونية، ومحذرًا من أن يتركوا المجال لمنافسيهم.
ولم تكن دعوته مجرد حث تقليدي على المشاركة؛ فقد وضع ارتفاع التصويت في البلدات العربية في صلب خطابه، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالًا حاضرًا في السياسة الإسرائيلية منذ سنوات: كيف تتعامل القوى السياسية مع مشاركة المواطنين العرب، وما أثر هذه المشاركة في التوازنات البرلمانية؟
والدلالة هنا أن التصويت العربي أصبح جزءًا من حسابات المنافسة على تشكيل الحكومة، لا مجرد تفصيل على هامشها. فارتفاع المشاركة في قطاع من الناخبين قد يؤثر في توزيع الأصوات والمقاعد، لكنه لا يحسم وحده النتيجة؛ إذ تتوقف آثاره على ما تحققه الأحزاب من أصوات، وعلى قدرتها على تجاوز نسبة الحسم، ثم على طبيعة التحالفات التي يمكن أن تتشكل بعد إعلان النتائج.
وفي المقابل، لم يقتصر التوتر الانتخابي على خطاب التعبئة. فقد أُلقي القبض على مشتبه به اقترب من يائير جولان، زعيم حزب الديمقراطيين، وكان يحمل سكينًا، لكن الشرطة نفت وقوع محاولة طعن على النحو الذي تردد في بعض الروايات الأولية. وتكشف الواقعة، في حدود ما هو مؤكد، عن أجواء متوترة تحيط بالمنافسة، من دون أن تتيح وحدها إسناد المسؤولية إلى جهة سياسية بعينها.
وتتجاوز أهمية الانتخابات الإسرائيلية أيضًا مسألة المشاركة والاستقطاب، لتطرح تساؤلات حول العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن خلاف بين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير بشأن تحرك عسكري محتمل مرتبط بإيران قبيل الانتخابات، تمحور — وفقًا لتلك التقارير — حول تقدير الحاجة إلى التحرك وتوقيته.
ويطرح ذلك سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: إلى أي مدى تتداخل الحسابات السياسية والانتخابية مع تقديرات المخاطر العسكرية، عندما يتعلق الأمر بقرار قد يفتح مواجهة إقليمية واسعة؟
فالقرار العسكري لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على تنفيذه، بل بتقدير توقيته، واحتمالات الرد عليه، وحدود التصعيد، وإمكان السيطرة على نتائجه. والقدرة على بدء المواجهة لا تعني بالضرورة القدرة على تحديد نهايتها أو منع امتدادها إلى ساحات أخرى.
لهذا، فإن الانتخابات الإسرائيلية لا تختبر مستقبل نتنياهو السياسي وحده؛ إنها تضع أمام المجتمع أسئلة بشأن الأمن والمحاسبة، وطبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وحدود استخدام القوة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وحتى بعد إعلان النتائج، ستظل هذه الأسئلة حاضرة في النقاش السياسي، لأن آثار الحرب وتداعيات القرارات الأمنية لا تنتهي بمجرد انتهاء التصويت.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه إسرائيل بحسابات الاقتراع والتحالفات، كانت طهران تستقبل مسؤولين كبارًا من السعودية وتركيا وباكستان، في تحرك دبلوماسي يستهدف خفض التصعيد وفتح قنوات للحوار. وقد تناولت اللقاءات، التي عُقدت في 26 أكتوبر، سبل تعزيز الأمن الإقليمي ومواصلة المشاورات بين الدول الأربع.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة أطرافها وتوقيت انعقادها؛ فالسعودية وتركيا وباكستان ترتبط باتفاق دفاع مشترك، فيما تقف إيران في قلب المواجهة الإقليمية. ومع ذلك، لا يعني الاجتماع أن الخلافات قد زالت، ولا أنه يمثل تحالفًا موحدًا أو تسوية مكتملة. لكنه يشير إلى أن مخاطر اتساع الصراع تدفع أطرافًا مختلفة المصالح إلى البحث عن قنوات تفاوض، في محاولة لتقليل كلفة المواجهة واحتواء تداعياتها.
وهنا تتضح الصورة الأوسع: انتخابات تعيد ترتيب المنافسة في البرازيل، وتقدم انتخابي لقائمة مدعومة من حركة طلابية في صربيا، ومعركة داخل إسرائيل تتداخل فيها المشاركة الشعبية مع حسابات الأمن والقرار العسكري، وتحرك دبلوماسي في طهران يسعى إلى فتح مسار للحوار.
هذه الأحداث ليست جبهة واحدة، ولا دليل على أنها تمثل انتصارًا منسقًا لطرف أو هزيمة نهائية لآخر. لكن قراءتها معًا تكشف أن النفوذ لا يُقاس فقط بامتلاك القوة، بل بالقدرة على التأثير في خيارات الآخرين، واحتواء ردود أفعالهم، ومنع الأحداث من الخروج عن المسارات التي تسعى الدول إلى رسمها.
فهل تلقت الولايات المتحدة وإسرائيل «أربع ضربات قاضية»؟ قد يكون هذا التعبير جذابًا في العناوين، لكنه يتجاوز ما يمكن لهذه الوقائع وحدها إثباته. فالنتيجة الانتخابية في دولة لا تعني تلقائيًا تراجع نفوذ قوة دولية، وارتفاع المشاركة لا يحسم هوية الحكومة المقبلة، كما أن اللقاءات الدبلوماسية لا تعني أن التسوية أصبحت وشيكة.
لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التطورات تكشف عن بيئة سياسية واستراتيجية أكثر تعقيدًا، تتعدد فيها مراكز التأثير، وتصبح فيها قدرة أي طرف على ضمان النتائج باستخدام أداة واحدة أكثر صعوبة. فالقوة قد تفرض ضغطًا، لكنها لا تضمن الاستجابة التي يريدها صاحبها؛ والانتخابات قد تغير موازين السلطة، لكنها لا تضمن وحدها استقرار البديل؛ والدبلوماسية قد تفتح بابًا للحوار، لكنها تحتاج إلى خطوات عملية كي تتحول إلى تسوية.
في السياسة الدولية، ليست كل مواجهة حربًا، وليست كل مصافحة سلامًا، وليست كل نتيجة انتخابية تحولًا استراتيجيًا مكتملًا. لكن التحولات الحقيقية قد تبدأ عندما تكتشف القوى أن أدوات التأثير التي اعتادت الاعتماد عليها لم تعد كافية وحدها لضمان النتائج.
في قلب القرار، ليست العبرة بمن تلقى الضربة الأكبر، بل بمن يستطيع قراءة ما يتغير، وفهم ما وراء الحدث، واستيعاب دلالاته قبل أن تتحول المؤشرات المتفرقة إلى واقع يفرض على الجميع حسابات جديدة.