عاجل

اقتصاد إسرائيل في مفارقة الحرب.. البورصة تقفز 130% والديون تقترب من 70% من الناتج

اقتصاد إسرائيل
اقتصاد إسرائيل

كيف يمكن لاقتصاد يخوض حربا ممتدة، ويتحمل تكاليف عسكرية تتجاوز 55 مليار دولار، ويواجه موجة هجرة متصاعدة، أن يسجل في الوقت نفسه مكاسب قياسية في سوق الأسهم، ويحافظ على توقعات نمو اقتصادي مرتفعة؟ الإجابة لا تكمن في رقم واحد، بل في طبيعة الاقتصاد الإسرائيلي نفسه، وفي الفجوة المتزايدة بين أداء الأصول المالية وقدرة الاقتصاد الحقيقي على تحمل تكلفة الصراع.

المشهد الاقتصادي الإسرائيلي يقدم واحدة من أكثر المفارقات إثارة للاهتمام في اقتصاديات الحروب الحديثة؛ فبينما تصعد مؤشرات البورصة وتتلقى العملة دعمًا من تدفقات الاستثمار وتوقعات الأرباح، تتراكم الالتزامات المالية للحكومة، وتتزايد الضغوط على سوق العمل والقاعدة السكانية، وتظل قطاعات من الاقتصاد أكثر تعرضًا لمخاطر الحرب وعدم اليقين. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاقتصاد الإسرائيلي ينمو، وإنما نوعية هذا النمو، ومدى استدامته، ومن يتحمل تكلفته.

أولًا: نمو اقتصادي قوي.. لكن الأرقام تحتاج إلى قراءة أعمق

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي سجل نموًا حقيقيًا بنسبة 2.9% خلال عام 2025، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 610.8 مليار دولار، وارتفع نصيب الفرد من الناتج إلى أكثر من 60 ألف دولار. وهذه الأرقام تعكس امتلاك إسرائيل قاعدة اقتصادية مرتفعة الدخل، تضم قطاعات تكنولوجية وصناعية وخدمية ذات قدرة تنافسية دولية. 

لكن قراءة توقعات عام 2026 تكشف نقطة أكثر أهمية؛ فالتقديرات الرسمية الإسرائيلية المنشورة في أكتوبر تشير إلى نمو قد يصل إلى 5.6%، إلا أن هذا الرقم يتضمن مساهمة كبيرة من الإنتاج الذي تحققه شركات إسرائيلية في الخارج. وعند استبعاد هذا المكون، يتراجع النمو المتوقع إلى 3.4%، وفقًا لبنك إسرائيل. 

هذا الفارق ليس تفصيلًا محاسبيًا. إنه يوضح أن نمو الناتج المحلي المسجل لا يعكس بالضرورة، وبالدرجة نفسها، تحسن النشاط الاقتصادي داخل إسرائيل أو تعافي الاستهلاك والاستثمار والتوظيف المحلي.

وبعبارة أخرى، يمكن للاقتصاد أن يسجل نموًا قويًا في حساباته القومية، بينما تظل أجزاء من اقتصاده الداخلي تحت ضغط القيود الأمنية ونقص العمالة وارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع اليقين بشأن المستقبل.

وهنا تظهر ضرورة التمييز بين نمو الناتج المحلي الإجمالي وبين نمو القدرة الإنتاجية المحلية المستدامة؛ فالأول يقيس حجم النشاط الاقتصادي، أما الثاني فيتعلق بقدرة الاقتصاد على توليد القيمة المضافة وفرص العمل والدخل من داخل حدوده، حتى في ظل الصدمات الجيوسياسية.

ثانيًا: البورصة الإسرائيلية ترتفع.. ولكن هل يربح الاقتصاد كله؟

على مستوى الأسواق المالية، تبدو الصورة أكثر إثارة. فبحسب تقرير لوكالة رويترز نشر في 26 أكتوبر 2026، ارتفعت الأسهم الإسرائيلية بنحو 130% منذ هجمات أكتوبر 2023، بينما سجل الشيكل ارتفاعًا بنحو 25% خلال الفترة نفسها. وتكشف هذه المكاسب عن قدرة الأسواق على استيعاب الصدمات وإعادة تسعير المخاطر، لكنها لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد بأكمله أصبح أقوى. 

وحتى داخل البورصة نفسها، فإن الصورة ليست موحدة. فقد ارتفع مؤشر تل أبيب 125 بنحو 10.9% منذ بداية عام 2026 حتى أوائل أكتوبر، في حين سجلت 70 شركة من أصل 125 شركة مدرجة بالمؤشر عوائد سلبية خلال الفترة نفسها، وفقًا لبيانات نقلتها صحيفة غلوبس الاقتصادية الإسرائيلية. 

هذا التباين يكشف مشكلة جوهرية في تفسير أداء الأسواق: المؤشر الرئيسي لا يمنح جميع الشركات الوزن نفسه، ولذلك تستطيع مجموعة محدودة من الشركات الكبرى رفع المؤشر العام، حتى عندما تتراجع أسهم عدد كبير من الشركات الأخرى.

كما أن ارتفاع الأسهم يعكس توقعات المستثمرين للأرباح المستقبلية، وتقييمهم للسياسات النقدية والمالية، وحركة السيولة، وليس مجرد انعكاس مباشر للأوضاع المعيشية أو حجم الإنتاج والتوظيف.

وتستفيد الشركات التكنولوجية والإلكترونية والدفاعية، كل وفق ظروفه، من عوامل مختلفة تشمل الطلب العالمي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والإنفاق الدفاعي. لكن هذا لا يعني أن جميع الأنشطة الاقتصادية تستفيد من الحرب، أو أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تستطيع تحمل الضغوط نفسها التي تتحملها المؤسسات الكبرى.

والأهم أن صعود المؤشرات المحلية لا يثبت وحده عودة الثقة الدولية بكامل قوتها؛ إذ أشار تقرير رويترز إلى تراجع مشاركة الصناديق العالمية في الأسهم الإسرائيلية، مع امتلاك 19% منها أسهمًا إسرائيلية مقابل 34% في عام 2023، وفق الأرقام الواردة بالتقرير.

وهكذا يمكن أن ترتفع الأسعار في سوق محلية، مدفوعة بأداء شركات كبرى وتدفقات محددة، دون أن يعني ذلك عودة جميع المستثمرين الأجانب أو زوال المخاطر الجيوسياسية.

ثالثًا: فاتورة الحرب.. حين يتحول الإنفاق العسكري إلى عبء طويل الأجل

تتجاوز تكلفة الحرب الإسرائيلية مجرد الإنفاق المباشر على العمليات العسكرية؛ إذ تشمل أيضًا تعويضات الأضرار، وتكاليف استدعاء قوات الاحتياط، وتعطل الأنشطة الاقتصادية، والضغط على الإنفاق العام، وتراجع بعض الاستثمارات التي تحتاج إلى استقرار طويل الأجل.

وتقدر رويترز تكلفة الحرب بأكثر من 55 مليار دولار، في وقت اقتربت فيه نسبة الدين العام من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بعجز في الموازنة يبلغ نحو 4.5% من الناتج. 

ولفهم دلالة هذه الأرقام، يجب النظر إلى الدين باعتباره التزامًا يحتاج إلى خدمة وتمويل، وليس مجرد نسبة محاسبية. فكلما ارتفع الدين، زادت أهمية تكلفة الاقتراض وأسعار الفائدة وقدرة الحكومة على توليد الإيرادات، خصوصًا إذا استمر الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة.

وعندما تضطر الدولة إلى تخصيص موارد إضافية للدفاع والأمن، فإنها تواجه مفاضلة اقتصادية صعبة: إما زيادة الضرائب أو الاقتراض، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو الجمع بين هذه المسارات. وفي كل حالة، تظهر تكلفة الفرصة البديلة، أي الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية والتعليم والصحة والإنتاجية.

لكن ارتفاع الدين لا يعني تلقائيًا اقتراب الاقتصاد من الانهيار؛ فالقدرة على الاقتراض، وعمق الأسواق المالية، وقوة القاعدة الضريبية، وحجم الأصول والاحتياطيات، كلها عوامل تحدد مدى قدرة الدولة على تحمل الدين. وتكمن المشكلة عندما يصبح الإنفاق الاستثنائي طويل الأجل، بينما يتباطأ نمو القاعدة الإنتاجية التي يفترض أن تمول هذه الالتزامات مستقبلًا.

رابعًا: الهجرة.. الخسارة التي لا تظهر كاملة في بيانات الناتج

إذا كان الدين يكشف جانبًا من التكلفة المالية للحرب، فإن الهجرة تكشف جانبًا آخر أقل ظهورًا في المؤشرات اليومية للأسواق.

فبحسب دراسة لباحثين من جامعة تل أبيب استندت إلى بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، غادر 90,922 مواطنًا إسرائيليًا البلاد لمدة ثلاثة أشهر متصلة على الأقل خلال عام 2025، مقارنة بـ91,499 في عام 2024 و86,509 في عام 2023. وبذلك بلغ إجمالي المغادرين وفق هذا التعريف 268,509 أشخاص خلال السنوات الثلاث من 2023 إلى 2025، مقابل 183,219 خلال الفترة المقابلة قبل عقد من الزمن. 

ومن الضروري التوضيح أن هذه الأرقام تقيس المغادرة وفق معيار زمني محدد، ولا تعني أن جميع هؤلاء غادروا نهائيًا؛ فالتقديرات الخاصة بالهجرة لمدة عام أو أكثر أقل من إجمالي المغادرين لثلاثة أشهر متصلة.

ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع المغادرة يثير تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالعمالة الماهرة وأصحاب الخبرات ورواد الأعمال، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على الكفاءات البشرية والبحث والتطوير.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن رأس المال البشري ليس مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، بل هو أحد مصادر الميزة التنافسية للاقتصاد الإسرائيلي، خاصة في التكنولوجيا والابتكار والخدمات المتقدمة.

فإذا غادر جزء من الكفاءات، فإن الخسارة لا تتوقف عند انخفاض عدد العاملين؛ بل قد تمتد إلى تراجع القدرة على تأسيس شركات جديدة، وانتقال المعرفة إلى اقتصادات أخرى، وتقلص بعض الأنشطة البحثية، وارتفاع تكلفة استقطاب بدائل للمهارات المطلوبة.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: تستطيع البورصة أن ترتفع بفعل الأرباح والتوقعات، لكن استنزاف رأس المال البشري قد يضغط على القدرة الإنتاجية المستقبلية، وهي قدرة لا يمكن تعويضها بمجرد ارتفاع أسعار الأسهم.

خامسًا: لماذا لم تتحول الضغوط إلى انهيار مالي حتى الآن؟

الاقتصاد الإسرائيلي لا يبدأ من نقطة ضعف اقتصادية مطلقة؛ فهو يمتلك قطاعات تصديرية وتكنولوجية متقدمة، وشركات ذات حضور دولي، وأسواقًا مالية قادرة على استيعاب جزء من الصدمات، فضلًا عن علاقاته الاقتصادية والتجارية مع الأسواق العالمية.

هذه العوامل تساعد في تفسير قدرة الاقتصاد على تسجيل نمو ومكاسب مالية رغم الحرب. كما أن الأسواق لا تسعر المخاطر الحالية وحدها، بل تحاول تقدير ما قد يحدث مستقبلًا؛ فإذا توقع المستثمرون تراجع حدة الصراع أو تحسن الأرباح أو استقرار السياسات، فقد ترتفع الأسعار قبل أن يظهر التحسن كاملًا في الاقتصاد الحقيقي.

لكن هذه المرونة لا تلغي المخاطر. فالتصعيد العسكري، أو اتساع نطاق المواجهات، أو استمرار نقص العمالة، أو ارتفاع تكلفة الاقتراض، يمكن أن يغير حسابات المستثمرين بسرعة. كما أن الأسواق المالية قد تتحرك في اتجاه مختلف عن النشاط الاقتصادي الفعلي لفترات طويلة نسبيًا.

ومن هنا، فإن تفسير صمود الاقتصاد الإسرائيلي باعتباره دليلًا على أن الحرب لم تترك آثارًا اقتصادية عميقة سيكون استنتاجًا غير دقيق، مثلما أن اعتبار ارتفاع الدين والهجرة دليلًا كافيًا على انهيار وشيك سيكون مبالغة مقابلة.

سادسًا: الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الصدمات

المعيار الأهم للحكم على قوة الاقتصاد الإسرائيلي لن يكون أداء مؤشر البورصة وحده، ولا معدل نمو الناتج في سنة واحدة، بل قدرته على تحويل المرونة المالية إلى تعافٍ إنتاجي واجتماعي مستدام.

وهذا يتطلب مراقبة مجموعة من المؤشرات معًا: نمو الناتج المحلي باستبعاد المكونات التي لا تعكس النشاط الداخلي، واتجاهات الاستثمار الخاص، وإنتاجية العامل، وتطور الدين والعجز، وتكلفة الاقتراض، وصافي الهجرة، ومدى عودة الشركات والعمالة إلى أنشطة أكثر استقرارًا.

فإذا استمر صعود الأسهم بالتزامن مع تحسن الاستثمار والإنتاجية وعودة الكفاءات، أمكن النظر إلى المكاسب المالية باعتبارها جزءًا من تعافٍ اقتصادي أوسع. أما إذا ظلت المؤشرات المالية قوية بينما تواصل الدين الارتفاع وتستمر الهجرة وتتعثر قطاعات من الاقتصاد الحقيقي، فإن الفجوة بين قيمة الأصول وقوة الاقتصاد ستصبح أكثر أهمية.

وفي النهاية، لا تقدم الأرقام دليلًا على انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، لكنها لا تبرر أيضًا التعامل مع صعود البورصة باعتباره شهادة على تجاوز آثار الحرب. إنها تكشف اقتصادًا يمتلك مصادر قوة حقيقية، لكنه يدفع تكلفة مالية وبشرية متراكمة، ويواجه اختبارًا طويل الأجل يتعلق بقدرته على الحفاظ على إنتاجيته وتنافسيته وثقة العاملين والمستثمرين.

فالسوق المالية تستطيع أن تستبق التعافي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنعه؛ والاقتصاد قد يربح على شاشة البورصة، بينما يخسر جزءًا من قدرته على النمو خارجها.

تم نسخ الرابط