«نهضة الملاريا».. سد إثيوبيا الكبير يواجه اتهامات بتوسيع خريطة الوباء
من طموح الطاقة إلى كابوس الملاريا.. خزان النهضة يثير مخاوف صحية في إثيوبيا
دراسات إثيوبية أمريكية ترصد تصاعد إصابات الملاريا مع ملء خزان سد النهضة.
من أقل من مليون إلى أكثر من 10 ملايين إصابة.. والسد الكبير يتحول إلى بؤرة لاستنزاف أجساد الإثيوبيين.
من خزان المياه إلى مستنقعات الملاريا.. دراسات علمية ترصد تداعيات سد النهضة الصحية.
«ملاريا السد» تنهك أجساد الإثيوبيين.. والأطفال تستنزفهم الحمى.
سد النهضة يترك بصمته على أجساد الإثيوبيين.. 10 ملايين إصابة بالملاريا.
بين حلم الكهرباء وشبح الملاريا.. سكان محيط سد النهضة يدفعون الثمن الصحي.
الملاريا تلاحق الإثيوبيين من خزان النهضة في موسم عدوى يكاد لا ينتهي.
10 ملايين مصاب خلف سد النهضة.. هل تحوّل الخزان إلى مصنع للملاريا؟
سد إثيوبيا الكبير.. نهضة في تخزين المياه وانتكاسة في صحة الإثيوبيين.
الملاريا تحصد ثمار خزان النهضة.. طفيل متحور وموسم عدوى شبه دائم.
«النهضة» التي أنهكت الأجساد.. الملاريا تفتك بإثيوبيا وتثير مخاوف القارة.
لا يزال إقليم بني شنقول-قمز، الذي يضم السد الإثيوبي الكبير غرب البلاد، يعاني الفقر المدقع ونقصًا في الكهرباء وخدمات الاتصال والإنترنت. إلا أن من يحمل هاتفًا محمولًا ويتسنى له التواصل عبر الشبكة العنكبوتية، يحاول رفع شكواه في تعليقات على الصفحات الرسمية للإقليم، ومنها صفحة «مكتب صحة بني شنقول»، التي تضم أكثر من مليون مشترك.
السكان المحليون من ديباطي وبولين وجوبا بمقاطعة متكل، حيث يمتد خزان السد، يكتبون: «الملاريا تعذب الناس، ورش المبيدات في المدينة متوقف تمامًا».
وترصد الإحصاءات الرسمية في «مركز منكوش الصحي» (Mankush Health Centre) في جوبا أعدادًا كبيرة من الشباب الذين يأتون للعمل في المنطقة التي يقع فيها جزء كبير من خزان السد، بينما تكشف الفحوصات عن إيجابية أكثر من 50% ممن يخضعون لها، ثم يعودون إلى بلداتهم حاملين الملاريا الخبيثة من منطقة تُعرف في الأدبيات العلمية بـ«بؤرة السد الإثيوبي الكبير».
وفي أحد التعليقات، تتحدث أم عن معاناة طفلها الذي أخذته إلى المستشفى بعد أيام من الحمى وفقدان الشهية والبكاء ليلًا، حتى كُشف عن إصابته بالملاريا، في قصة تتكرر كثيرًا يوميًا.
الوضع في إثيوبيا بأسرها يبدو أكثر قتامة؛ فمنظمة الصحة العالمية لم يتسنَّ لها تحديث أعداد إصابات ووفيات الملاريا في البلاد ضمن تقريرها السنوي الصادر مؤخرًا لرصد إحصاءات المرض في العالم، بينما لا يزال التقرير يحتفظ بأرقام عام 2024، الذي دشنت خلاله المنظمة إصدارًا خاصًا بتفشي المرض في البلد الذي أنهكه طفيل الملاريا.
10 ملايين إصابة في 2024 مقابل أقل من مليون عام 2019
ويبدو أن إثيوبيا لم تبرح عتبة عام الوباء، الذي قدرت منظمة الصحة العالمية الإصابات الفعلية خلاله بـ12.4 مليون إصابة، بينها 22,400 وفاة، في حين بلغت الحالات المبلغ عنها في ملف المنظمة 4.5 مليون إصابة و1,500 وفاة.
لكن شاهدًا من إثيوبيا، وهو البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا، نشر الشهر الماضي، في العدد الأخير من دورية «جاما» الطبية الأمريكية (Journal of the American Medical Association)، بحثًا يقدر ارتفاع إصابات الملاريا في إثيوبيا إلى أكثر من 10 ملايين حالة في عام 2024، مقارنة بأقل من مليون حالة في عام 2019، في زيادة طردية لتفشي الملاريا مع فترات ملء السد الإثيوبي بين العامين.
واختبرت الدراسة الإثيوبية المنشورة في دورية «جاما» ثلاثة متغيرات لتفشي الملاريا، وهي التغيرات المناخية، والاضطرابات التي لحقت بالخدمات الصحية، ومكافحة نواقل طفيل الملاريا، قبل أن تخلص إلى أن تغير المناخ والبيئة المحيطة يأتيان على رأس أسباب الزيادة المرعبة في إصابات الملاريا بإثيوبيا.
8 أقاليم من أصل 11 تقع في نطاق التأثر البيئي بالسد وخزانه
واستندت الدراسة إلى مسح سريع أجراه معهد الصحة العامة الإثيوبي خلال الفترة من يوليو إلى أغسطس 2024، في 20 موقعًا للرصد موزعة على 11 إقليمًا شهدت زيادة في انتقال الملاريا.
ومن بين الأقاليم الأحد عشر، تقع ثمانية أقاليم في نطاق السد الإثيوبي الكبير وخزان المياه على مجرى نهر النيل، وتأثرت بشكل مباشر بتغيرات مناخية وبيئية كبيرة أدت إلى تباطؤ جريان المياه وزيادة المستنقعات.
وقالت الأستاذة الدكتورة إيمان مدحت، رئيسة قسم الأمراض المتوطنة بجامعة القاهرة، إن بعوضة الأنوفليس الناقلة للملاريا تنمو في درجات حرارة ورطوبة مواتية في برك ومستنقعات إثيوبيا، نظرًا لقربها من خط الاستواء.
وتبدأ دورة حياة الطفيل داخل الإنسان وتنتهي أيضًا داخله، بينما يتشكل جزء من دورة حياة طفيل الملاريا داخل البعوضة، حيث يتكاثر الطفيل في طور معدٍ بمعدة البعوضة، ثم ينتقل إلى الإنسان ليبدأ مرحلة جديدة من التكاثر في الكبد. وخلال ساعات تصل إلى 18 ساعة، ينتقل الطفيل إلى الدم، ومن ثم يمكن أن ينتقل إلى إنسان آخر عن طريق البعوضة.
أما بالنسبة إلى المياه الراكدة، فهي مجرد بيئة ملائمة لتكاثر البعوض الناقل، وكلما ازداد ركود المياه، زادت القدرة على الحفاظ على بيض البعوض وتكاثره.
ويمكن أن تصيب البعوضة شخصًا مصابًا بالفعل، وتنقل عنه الطفيل لتصيب شخصًا آخر في الوقت نفسه. وفي دورة الحياة، يُعد الكبد مركز تكاثر الطفيل، حيث يستقبل أعدادًا قليلة من الطفيل عن طريق البعوض، ثم يتكاثر بأعداد هائلة تنقلها كرات الدم الحمراء.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن طفيلًا واحدًا فقط داخل كرات الدم الحمراء يمكن أن يتكاثر إلى آلاف الطفيليات التي تدمر كرات الدم الحمراء بتكسيرها، وتصيب الإنسان بالأنيميا أو الغيبوبة المخية التي قد تودي بحياته.
طفيل متحور يراوغ اختبارات التشخيص ويقاوم العلاجات التقليدية
ورصدت الدراسة المنشورة في دورية «جاما» متغيرات جينية في الطفيليات المسببة للملاريا أفقدتها البروتينات الغنية بالهستيدين 2، التي تعتمد عليها اختبارات التشخيص السريع، مما يؤخر التشخيص، ويفاقم انتقال المرض، ويعيق التدخلات العلاجية السريعة.
ودفع هذا التغير الجيني سلطات الصحة في إثيوبيا إلى استخدام اختبارات تشخيص بديلة عن التشخيص السريع الذي يعتمد على اكتشاف بروتينات الهستيدين 2، لكنها مكلفة.
والأمر الأكثر خطورة وتكلفة أيضًا هو أن الطفيل المتغير جينيًا لم يصبح اكتشافه صعبًا فحسب، بل أصبح من الصعب أيضًا علاجه، حيث يتطلب أدوية مركبة من ثلاث مواد فعالة بدلًا من مادتين اثنتين، كما هو متبع عالميًا.
وهذا المركب الثلاثي الجديد المقترح، للتغلب على المقاومة الدوائية لدى هذا النوع الخبيث من طفيل الملاريا المتحور، سيكون أكثر كلفة على جميع دول القارة الفقيرة التي تستورد الدواء.
أستاذ طب المناطق الحارة: شبح الموت يطل على إفريقيا من بوابة إثيوبيا
وقال الدكتور محمد عبد السلام، أستاذ طب المناطق الحارة، إنه حتى عام 2006، كان يموت طفل في إفريقيا كل 30 ثانية بسبب الملاريا، وفي عام 2009 بلغ معدل الوفيات طفلًا كل 45 ثانية، وفي عام 2016 انخفضت النسبة إلى طفل كل 60 ثانية، بفضل التقدم في برامج المكافحة.
وأضاف أن المشكلة الآن تتمثل في أن طفيل الملاريا أصبح متحورًا جينيًا بشكل يصعب معه تشخيصه مبكرًا باستخدام الكواشف المستخدمة، كما يصعب السيطرة عليه بالأدوية الثنائية المتاحة، ما يجعل شبح الموت يخيم على إفريقيا بأسرها من بوابة إثيوبيا.
وأضاف أن المعضلة الحقيقية تكمن في أن ظهور متحور جديد للملاريا في منطقة بعينها يعني انتشاره المؤكد حول العالم عبر حركة السفر.
لذلك، توصي منظمة الصحة العالمية باستخدام الأدوية ثلاثية التركيب في جميع أنحاء العالم، بحسب الورقة البحثية المنشورة في دورية «جاما»، التي توضح وجود مقاومة للعلاج الثنائي، المتمثل في الأرتيسونات الحديثة مع أحد الأدوية المكملة القديمة، وهو ما يُعرف بـ«الدواء ثنائي التركيب»، مشيرة إلى أن هذه مشكلة كبيرة جدًا.
ولذلك، تتمثل التوصية الواردة في الورقة البحثية في استخدام العلاج الثنائي إلى جانب دواء آخر.
والمؤكد أن السلالة المتحورة في إثيوبيا ربما انتقلت بالفعل إلى أنحاء إفريقيا. وأشارت الدكتورة إيمان إلى أن القضاء على الملاريا لا يعني علاج البشر فقط، بل يتطلب أيضًا إعداد خطة للقضاء على دورة حياة الطفيل في البعوض، في مواطن تكاثره.
تكاتف دولي
ومن جانبه، أوضح أحمد سعد، رئيس قسم الأمراض المعدية بكلية الطب بجامعة القاهرة، أن الأبحاث المنشورة حديثًا كشفت عن أن السد العملاق في إثيوبيا أدى إلى انتشار الملاريا في أماكن لم تكن معهودة من قبل.
وأضاف أن رصد 10 ملايين إصابة في إثيوبيا، وفقًا لجهات رسمية محلية، يضع الدولة في المرتبة الأولى إفريقيًا قبل نيجيريا، وخاصة فيما يتعلق بالنوع الخبيث المعروف باسم «الفالسيبارم» (Falciparum)، كما يضعها على رأس الدول من حيث نسبة وفيات الملاريا، جراء صعوبة التشخيص والعلاج.
ولذلك، أصبح الأمر يتجاوز إمكانات دول بعينها، مثل إثيوبيا، ما يجعل تكاتف المجتمع الدولي، ممثلًا في المنظمات والوكالات الدولية المتخصصة، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، ضرورة ملحة.
باحثون إثيوبيون وأمريكيون حذروا منذ 2022 من مخاطر تكاثر البعوض حول الخزان
لم تكن دراسة «جاما» حول ارتباط تفشي الملاريا بالمناخ الذي أوجده السد الإثيوبي الكبير الأولى من نوعها؛ فقد سبقتها دراسة أعدها باحثون من المعهد الإثيوبي للصحة العامة وبرنامج الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا عام 2022، حول التأثير المحتمل لسد النهضة وخزانه على انتقال الملاريا، اعتمادًا على بيانات المناطق المحيطة بخزان السد خلال الفترة من 2018 حتى 2021.
وحذرت الدراسة، التي عُرضت في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للطب الاستوائي والصحة (ASTMH) عام 2022، من أن خزان سد النهضة قد يوفر بيئة مواتية لتكاثر البعوض الناقل للملاريا إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة لمكافحة النواقل.
وأوصت الدراسة بإنشاء مناطق عازلة لمنع استقرار السكان بالقرب من الخزان، وإدراج إجراءات مكافحة الملاريا ضمن إدارة الخزان، لتجنب تفاقم المرض بشكل غير مسبوق في منطقة السد.
عالمة حشرات: تغيرات جريان المياه جعلت موسم انتقال الملاريا شبه دائم
وقالت الدكتورة امتثال محمد عبد السميع، أستاذة علم الحشرات بكلية العلوم بجامعة القاهرة، إنه من دون بيئة مائية مناسبة، لا يمكن لبيض البعوض أن يفقس، ولا للبعوض أن ينمو؛ لذلك تُعد إدارة مصادر المياه من أهم وسائل مكافحة البعوض.
ولفتت إلى أن السد الإثيوبي الكبير يزيد من خطر انتشار بعوض الأنوفليس الناقل للملاريا، بسبب خلق بيئات مائية جديدة وواسعة تصلح لتكاثر البعوض، خاصة على أطراف الخزان والمناطق التي تتعرض للفيضانات أو البطء في تصريف المياه.
فالتغيرات في سرعة الجريان أسفل السد تؤدي إلى تكوين برك ضحلة موسمية، ما يطيل موسم تكاثر البعوض، ويجعل موسم انتقال الملاريا شبه دائم. وقد يؤدي هذا التأثير إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالملاريا في المجتمعات القريبة من السد.
خبير قانون دولي: الدراسات تضيف سندًا قانونيًا جديدًا لمصر
ولإثيوبيا تجربة وخبرة سابقة في ارتفاع نسب الإصابة بالملاريا بالتزامن مع إنشاء السدود؛ فبعد بناء سد تيكيزي (Tekeze Dam) عام 2009 في إقليم تيجراي، وضع الدليل التشغيلي لمكتب إفريقيا الإقليمي التابع لمنظمة الصحة العالمية إجراءات خاصة لمكافحة اليرقات والبعوض الناقل للملاريا، استنادًا إلى دراسة إثيوبية تفيد بظهور بيئات ملائمة جديدة لتكاثر نواقل الملاريا جراء بناء السد.
ونشأت هذه البيئات نتيجة تسرب المياه عند قاعدة السد، وتسرب مياه قنوات الري، وتجمعات المياه على امتداد مجاري المياه أسفل السد، إضافة إلى برك صناعية أنشأها السكان.
ووفقًا لوثيقة منظمة الصحة العالمية، سجلت القرى القريبة من السد أعدادًا من البعوض البالغ من نوع Anopheles arabiensis تزيد بنحو 5.9 إلى 7.2 مرة مقارنة بقرية تقع على بعد 3 إلى 4 كيلومترات.
كما سجلت القرية القريبة من السد زيادة قدرها 3.1% في انتشار تضخم الطحال بين الأطفال دون سن العاشرة.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة باعتبارها مثالًا ميدانيًا من إثيوبيا نفسها، وليس مجرد تحذير عام من منظمة الصحة العالمية بشأن الآثار المحتملة للسدود.
ويرى الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، أن ما تكشفه هذه الدراسات العلمية الموثقة من ارتباط مباشر بين مراحل ملء خزان سد النهضة وتصاعد إصابات الملاريا، من أقل من مليون حالة عام 2019 إلى أكثر من عشرة ملايين عام 2024، يضيف بُعدًا قانونيًا جديدًا إلى ملف النزاع المائي بين مصر وإثيوبيا، لم يُستثمر بعد بالصورة الكافية.
وبيّن أستاذ القانون الدولي أن مبدأ عدم الإضرار الجسيم، المنصوص عليه في المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية لعام 1997، لا يقتصر على الأضرار الهيدرولوجية والمائية المباشرة، بل يمتد ليشمل الأضرار البيئية والصحية الناجمة عن تغيير طبيعة مجرى النهر وتخزين مياهه.
وأضاف أن تراكم المياه الراكدة في خزان السد، الذي يهيئ بيئة مواتية لتكاثر بعوضة الأنوفليس الناقلة للملاريا، يجسد ضررًا بيئيًا وثيق الصلة بالمشروع الهيدروليكي.
واعتبر أن هذه الوثائق العلمية قد تشكل سندًا قانونيًا إضافيًا لمصر في أي مسار دولي مستقبلي للطعن في تداعيات السد خارج الإطار المائي التقليدي.




