ليست المشكلة دائمًا في غياب الموهبة، ولا في نقص الخبرة، ولا في ضعف الطموح، فقد يمتلك الإنسان كل ذلك، ثم يظل واقفًا أمام باب لا يعرف كيف يُفتح، بينما يرى الفرص تمر من أمامه، دون أن يجد إجابة واضحة عن سؤال واحد: ماذا ينقصني حتى أحصل على فرصتي؟
هذه ليست حكاية شخص يبحث عن مكان تحت الأضواء، بقدر ما هي قضية تستحق أن تُطرح أمام المسؤولين عن الإعلام في مصر؛ قضية شباب يمتلكون الموهبة، ويسعون إلى التطور، ويطمحون إلى تقديم ما لديهم، لكنهم يشعرون أحيانًا بأن الوصول إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى ليس بالسهولة التي يفترض أن تكون عليها المنافسة المهنية.
أنا أحمد عبد الهادي، مقدم برامج رياضية، حصلت على جائزة رسمية من وزارة الشباب والرياضة لأفضل مقدم برامج رياضية شاب، وهي جائزة أعتز بها، لأنها تمثل تقديرًا لجهد بذلته، وطريق سعيت إليه في مجال أحببته وآمنت بقدرتي على النجاح فيه.
لكنني، رغم هذا التقدير، لا أزال أبحث عن فرصتي الحقيقية في الإعلام المصري، وهنا يبدأ السؤال الذي لا يتعلق بي وحدي، كيف يمكن لموهبة أن تحصل على تقدير رسمي، ثم تجد صعوبة في الوصول إلى المساحة التي تستطيع من خلالها إثبات قدراتها أمام الجمهور؟
وعندما أتيحت لقنوات الكاس الرياضية القطرية فرصة اختيار أسماء للعمل معها، وقع الاختيار عليّ من بين عدد من الأسماء. وهي تجربة أعتز وافتخر بها، لكنها جعلتني أتوقف أمام مفارقة تستحق التأمل، إذا كانت جهة إعلامية خارج مصر قد اختارتني للعمل معها، فلماذا لا أجد الفرصة نفسها بسهولة داخل بلدي؟
لا أقول ذلك لأقارن نفسي بزملائي، ولا لأنتقص من مكانة أي إعلامي نجح في مسيرته، فلكل إنسان جهده وتجربته، والإعلام يتسع للجميع. لكنني أتساءل عن آلاف الشباب الذين قد يمتلكون الكفاءة والقدرة على التطور، ولا يجدون طريقًا واضحًا للوصول إلى الفرصة التي تمكّنهم من إثبات أنفسهم.
هل أصبحت الفرص الإعلامية تدور في نطاق محدود من الأسماء؟ وهل توجد آليات واضحة يستطيع من خلالها الشباب التقدم وإظهار قدراتهم والمنافسة على أساس مهني؟ أم أن كثيرين سيظلون خارج المشهد، لا لعدم امتلاكهم الموهبة بالضرورة، وإنما لأنهم لم يصلوا إلى الدائرة التي تتيح لهم البداية؟
إنني لا أطالب بإبعاد الأسماء الموجودة، ولا أرى أن تجديد الإعلام يجب أن يكون على حساب أصحاب الخبرة، بل أطالب بفتح الأبواب أمام كفاءات جديدة، وإتاحة الفرصة للمنافسة العادلة، ووضع معايير أكثر وضوحًا لاختيار المذيعين والمعدين والمراسلين، بما يسمح للمؤسسات الإعلامية باكتشاف المواهب التي قد لا تعرف عنها شيئًا.
فالإعلام ليس مجرد شاشة تتكرر عليها الوجوه نفسها، بل مسؤولية وصناعة وعي، ومجال يحتاج إلى التجديد بقدر احتياجه إلى الخبرة. وكلما اتسعت دائرة الاختيار، زادت فرص اكتشاف مواهب جديدة، واستفاد الجمهور من تنوع الأفكار والخبرات.
ومن حق المؤسسات الإعلامية أن تختار من تراه الأنسب، لكن من حق كل موهبة أيضًا أن تجد فرصة عادلة للتقدم والاختبار، وأن تعرف أن الطريق إلى النجاح ليس مغلقًا أمامها، وأن الاجتهاد والكفاءة يمكن أن يفتحا لها أبوابًا حقيقية.
وهنا أتوجه برسالتي إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، راجيًا أن تجد هذه القضية طريقها إلى اهتمام سيادته، انطلاقًا من تطلعي إلى أن تكون الدولة راعية للحق والعدل وتكافؤ الفرص، وأن يحظى الشباب في عهده بمساحات حقيقية لإثبات قدراتهم والمشاركة في بناء وطنهم. فالشباب لا يحتاجون إلى وعود بالفرص بقدر ما يحتاجون إلى آليات عادلة تتيح لهم المنافسة، وإلى مؤسسات تفتح أبوابها للكفاءة دون تمييز.
سيادة الرئيس، إنني لا أطلب منصبًا، ولا أطالب باستثناء، ولا أكتب هذه الكلمات بحثًا عن مجاملة شخصية. كل ما أتمناه أن تكون هناك مراجعة جادة لآليات اكتشاف المواهب الإعلامية الشابة وإتاحة الفرص أمامها، وأن يجد كل من يمتلك القدرة والاستعداد طريقًا واضحًا يستطيع من خلاله أن يثبت جدارته.
أنا واحد من هؤلاء الشباب، أحمل تجربة أعتز بها، وجائزة أقدّرها، وطموحًا لم يتوقف، ورغبة في أن أقدم شيئًا لبلدي من خلال المجال الذي اخترته. ولا أريد أن تكون تجربتي مجرد قصة عن شاب لم يحصل على فرصته، بل أن تكون سببًا في فتح نقاش جاد حول مستقبل آلاف المواهب التي تنتظر أن تجد مكانها.
إن رسالتي ليست: اختاروني أنا، بل: افتحوا الباب أمام الجميع، واتركوا للكفاءة أن تتحدث، فربما تقف خلف أسماء لا يعرفها الجمهور حتى الآن مواهب تستحق أن تصل، وأصوات تستحق أن تُسمع، وقدرات لا ينقصها سوى الفرصة الأولى.
إلى كل مسؤول عن صناعة القرار الإعلامي، إن اكتشاف الموهبة ليس مجاملة، وإتاحة الفرصة ليست منحة، وإنما استثمار في الإنسان وفي مستقبل الإعلام المصري.
ويبقى السؤال: هل نمنح المواهب الشابة فرصة حقيقية لتثبت نفسها، أم نترك كثيرًا منها ينتظر طويلًا أمام أبواب لا يعرف متى تُفتح؟