حنان سليمان: برنامج التحول الاقتصادي يضع مصر أمام مرحلة جديدة من النمو الإنتاجي ويعزز قدرة الاقتصاد
أكدت الدكتورة حنان سليمان، عضو مجلس الشيوخ السابق، أن البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي الذي أعلن الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، ملامحه الرئيسية، يمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة تشكيل هيكل النمو في مصر، عبر الانتقال من التركيز على استقرار المؤشرات الاقتصادية الكلية إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على خلق القيمة المضافة، بما يضمن انعكاس نتائج الإصلاح الاقتصادي بصورة أكثر وضوحًا على مستوى معيشة المواطنين وفرص العمل المتاحة.
وأوضحت سليمان أن أهمية البرنامج تنبع من استهدافه تحقيق نقلة نوعية في فلسفة إدارة الاقتصاد، بحيث لا يكون نجاح السياسات الاقتصادية مرهونًا فقط بتحسن معدلات النمو أو تراجع التضخم، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار إلى إنتاج حقيقي، والاستثمار إلى طاقات تشغيلية، والإصلاحات المؤسسية إلى فرص ملموسة للنمو وتحسين الدخول. وأكدت أن مفهوم جودة النمو يمثل معيارًا أكثر شمولًا لتقييم الأداء الاقتصادي، لأنه يربط بين معدلات التوسع الاقتصادي وكفاءة توزيع ثماره وقدرته على الاستمرار في مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية.
وأضافت أن استهداف رفع معدل النمو الاقتصادي من 5.1% حاليًا إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029/2030، بالتوازي مع خفض التضخم إلى 7% والبطالة إلى 5.5%، يعكس طموحًا اقتصاديًا يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين السياسات النقدية والمالية والإنتاجية، مع إعطاء أولوية واضحة لزيادة المعروض المحلي وتحسين الإنتاجية وتعزيز قدرة القطاعات الاقتصادية على استيعاب العمالة. وشددت على أن تحقيق هذه المستهدفات يرتبط بمدى نجاح الدولة في معالجة الاختلالات الهيكلية التي تحد من التوسع الإنتاجي، وتحويل الاستثمارات إلى مشروعات قادرة على توفير عوائد اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وأشارت إلى أن اختيار الزراعة والصناعات التحويلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والطاقة ضمن القطاعات الرئيسية المستهدفة يعكس توجهًا نحو تعظيم الاستفادة من الأنشطة الأكثر قدرة على دعم الناتج المحلي الإجمالي وخلق فرص تنافسية جديدة، خاصة أن هذه القطاعات تمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي وتسهم بنحو 50% من معدل النمو الحقيقي وفقًا للبيانات المعلنة. وأكدت أن تعظيم مساهمة هذه القطاعات يتطلب الانتقال من التعامل معها باعتبارها أنشطة منفصلة إلى بناء شبكة مترابطة من سلاسل القيمة والإنتاج والتوريد، بما يعزز التكامل بين الصناعة والزراعة والطاقة والخدمات والتكنولوجيا.
ولفتت سليمان إلى أن الصناعات التحويلية تمثل محورًا رئيسيًا في بناء اقتصاد قادر على زيادة صادراته وتقليل اعتماده على الواردات، بينما تتيح التكنولوجيا والاتصالات فرصًا لرفع كفاءة الإنتاج وتطوير الخدمات وتوسيع نطاق الاقتصاد الرقمي. كما أن تطوير الزراعة والطاقة والسياحة يمكن أن يدعم الأمن الاقتصادي ويزيد قدرة مصر على جذب الاستثمارات وتوليد الإيرادات، شريطة تبني سياسات تحفز الابتكار وترفع جودة المنتجات والخدمات وتربط خطط الاستثمار باحتياجات الأسواق المحلية والخارجية.
وأكدت أن تمكين القطاع الخاص يمثل أحد المحددات الحاسمة لنجاح البرنامج، في ظل مساهمته بنحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي و58% من الاستثمارات الكلية، وتوفيره فرص عمل لنحو 27 مليون شخص وفقًا للأرقام الواردة في البرنامج. وأوضحت أن المرحلة المقبلة تتطلب بيئة أعمال أكثر استقرارًا ووضوحًا، تقوم على سرعة الإجراءات، وتبسيط التراخيص، وتحسين فرص الحصول على التمويل، وتعزيز المنافسة العادلة، بما يتيح للمستثمرين اتخاذ قرارات طويلة الأجل، ويوجه رؤوس الأموال نحو مشروعات إنتاجية ذات أثر مباشر في التشغيل والتصدير.
وشددت على أن الإصلاحات التشريعية والمؤسسية تمثل الاختبار الحقيقي لمدى قدرة البرنامج على إحداث تغيير مستدام في بنية الاقتصاد، لا سيما مع استهداف تنفيذ 185 إجراءً أساسيًا ضمن أربعة محاور و40 مستهدفًا، تشمل 20 إصلاحًا تشريعيًا و25 إصلاحًا مؤسسيًا. وأكدت ضرورة أن ترتبط هذه الإجراءات بجداول زمنية معلنة ومسؤوليات تنفيذية محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يضمن انتقال الإصلاح من مستوى النصوص والخطط إلى التطبيق الفعلي، ويتيح تقييم أثره في كفاءة الأسواق وجاذبية الاستثمار ومعدلات الإنتاج والتشغيل.
وأضافت أن خفض التضخم وتحسين مستويات المعيشة يتطلبان معالجة الأسباب الهيكلية لارتفاع الأسعار، من خلال زيادة الإنتاج المحلي، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد والتوزيع، وتحسين المنافسة، والحد من الاختناقات التي ترفع تكاليف الإنتاج. كما أكدت أن تقليص البطالة لا يتحقق بمجرد زيادة عدد الوظائف، بل يتطلب توفير فرص عمل مستقرة ومنتجة تتناسب مع مهارات الشباب واحتياجات الاقتصاد، مع تطوير التعليم الفني والتدريب المهني وربطهما بالقطاعات المستهدفة، وتعزيز مشاركة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في النشاط الاقتصادي.
وأوضحت سليمان أن نجاح البرنامج يحتاج كذلك إلى منظومة متابعة وتقييم تقيس الأثر الحقيقي للسياسات الاقتصادية، بحيث لا تقتصر المؤشرات على معدلات النمو والتضخم والبطالة، وإنما تمتد إلى تطور الإنتاجية، وحجم الاستثمارات الخاصة، ونمو الصادرات، ونسبة المكون المحلي، وجودة الوظائف الجديدة، ومدى تحسن الدخول الحقيقية للمواطنين. فهذه المؤشرات، بحسب رؤيتها، تمثل أدوات ضرورية للحكم على مدى نجاح التحول الاقتصادي في بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة واستدامة.
واختتمت الدكتورة حنان سليمان بالتأكيد على أن التحدي الأساسي أمام البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي يتمثل في تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى قوة إنتاجية مستدامة، وتحويل الإصلاحات إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية، مشيرة إلى أن بناء اقتصاد قادر على المنافسة لا يتحقق بالأرقام المستهدفة وحدها، وإنما بتكامل السياسات العامة مع كفاءة المؤسسات وقدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع، والاستثمار في الإنسان باعتباره العنصر الأهم في معادلة التنمية. وأكدت أن نجاح هذا المسار سيعزز قدرة مصر على بناء نموذج نمو أكثر توازنًا، يرتكز على الإنتاج والتكنولوجيا والابتكار، ويمنح الاقتصاد مرونة أكبر في مواجهة التحديات، وفرصًا أوسع لتحقيق التنمية المستدامة.