د. باسم الشربيني: ارتفاع تكلفة العقار لا يضمن نمو المبيعات والأرباح
أكد الدكتور باسم الشربيني، رئيس مجلس إدارة شركة إتقان للاستشارات العقارية والخبير العقاري، أن ارتفاع تكلفة تنفيذ المشروعات العقارية لا يعني بالضرورة زيادة قيمتها البيعية أو نمو أرباح الشركات، مشيرًا إلى أن السوق العقارية المصرية تدخل مرحلة تتطلب قدرًا أكبر من الانضباط المالي والتخطيط الاستراتيجي، في ظل تداخل الضغوط الاقتصادية العالمية مع تحديات التمويل وتراجع القدرة الشرائية للعملاء، وهو ما يفرض على المطورين إعادة تقييم استراتيجيات التسعير والتوسع والاستثمار استعدادًا لعام 2027.
وأوضح الشربيني أن المعادلة العقارية لم تعد تُحسم بمجرد ارتفاع أسعار مواد البناء أو زيادة تكلفة الأراضي والتنفيذ، إذ قد ترتفع التكلفة في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة العميل على الشراء والسداد، أو تطول خلاله دورة اتخاذ القرار الاستثماري، بما يخلق فجوة بين القيمة السعرية التي يستهدفها المطور والقدرة الفعلية للسوق على استيعابها، لافتًا إلى أن هذه المعادلة تكتسب أهمية خاصة مع اقتراب نهاية عام 2026 والاستعداد لموازنة العام الجديد، بالتزامن مع تأثير شهر رمضان في توقيتات الإطلاقات البيعية ومعدلات النشاط خلال الربع الأول من العام لدى عدد من الشركات.
وأشار إلى أن التطورات التي تشهدها الأسواق العالمية، بما تتضمنه من تقلبات في أسواق الأسهم والمعادن النفيسة وتحركات أسعار النفط، لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة عن الاقتصاد المصري أو القطاع العقاري، بل ينبغي قراءتها ضمن منظومة مترابطة من المتغيرات الجيوسياسية والمالية، تشمل التوترات الإقليمية المحيطة بإيران واليمن والممرات البحرية، وانعكاساتها على أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات السياسية والانتخابية في المنطقة والولايات المتحدة.
وأضاف أن انتقال أثر هذه المتغيرات إلى السوق المحلية يحدث عبر قنوات متعددة، في مقدمتها تكلفة الخامات ومدخلات التنفيذ، وأعباء التمويل، وضغوط سعر الصرف، فضلًا عن تأثيرها في السلوك الشرائي للعملاء وتفضيلاتهم بين الاستثمار والاحتفاظ بالسيولة. فقرار شراء وحدة عقارية لم يعد مرتبطًا فقط بتوقعات ارتفاع الأسعار، وإنما أصبح يتصل أيضًا بقدرة المشتري على الوفاء بالتزاماته المستقبلية، ومدى استقرار دخله، وقدرته على تحمل الأقساط خلال السنوات التالية للتعاقد.
وشدد الشربيني على أن ارتفاع سعر الدولار لا يمثل، بمفرده، مبررًا كافيًا للحكم بارتفاع أسعار جميع المشروعات العقارية أو ضمان زيادة مبيعاتها، موضحًا أن التعامل مع تغيرات سعر الصرف باعتبارها إشارة تلقائية لإعادة تسعير المخزون العقاري بالكامل قد يؤدي إلى فجوة بين الأسعار المستهدفة والقدرة الشرائية الفعلية، خصوصًا في ظل اختلاف أوضاع الشركات من حيث تكلفة الأرض، ونسب التنفيذ، وحجم الالتزامات التمويلية، ومعدلات التحصيل، وطبيعة العملاء المستهدفين.
ولفت إلى أن المرحلة الحالية تختلف في طبيعتها عن بعض الفترات التي شهدت فيها السوق خلال عامي 2022 و2023 اندفاعًا ملحوظًا نحو شراء العقار باعتباره مخزنًا للقيمة في مواجهة التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة، مؤكدًا أن استنساخ القرارات التسعيرية والبيعية التي اتخذتها الشركات خلال تلك الفترة دون مراعاة المتغيرات الحالية قد لا يحقق النتائج نفسها، بل قد يضغط على معدلات البيع والتحصيل ويزيد الفجوة بين الالتزامات النقدية للشركة وتدفقاتها الفعلية.
وأوضح أن تراجع أسعار الذهب أو الأسهم لا يعني بالضرورة انتقال الأموال بصورة تلقائية إلى العقارات، إذ قد يتجه جانب من السيولة إلى الاحتفاظ النقدي أو تغطية الالتزامات القائمة أو إعادة توزيع الاستثمارات على أدوات مختلفة، وفقًا لتقديرات المخاطر وتوقعات العائد. ومن ثم، فإن بناء خطط المبيعات على افتراض انتقال رؤوس الأموال من سوق إلى أخرى بصورة مباشرة يمثل رهانًا غير مضمون، ويستوجب الاعتماد على مؤشرات فعلية للطلب والقدرة الشرائية بدلًا من الاكتفاء بقراءة تحركات الأصول المالية.
وفي سياق متصل، أكد الشربيني أهمية التطورات المرتبطة بتنظيم القطاع العقاري، وفي مقدمتها المقترحات الخاصة بإنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، إلى جانب تطوير منظومة التقييم والوساطة العقارية وتوسيع فرص الاستثمار العقاري المؤسسي، بما يشمل نماذج الملكية التشاركية وصناديق الاستثمار العقاري التي تتيح الاستثمار في الأصول العقارية بحصص تتناسب مع شرائح مختلفة من المستثمرين، وفقًا للأطر التنظيمية والضوابط المعمول بها.
وأشار إلى أن تنظيم المهنة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد إضافة تشريعية، وإنما باعتباره خطوة نحو بناء سوق أكثر كفاءة وقدرة على إدارة المخاطر، وترسيخ الثقة بين المطور والمشتري والمستثمر، وتحسين جودة البيانات المتاحة عن الشركات والمشروعات، بما يدعم اتخاذ قرارات استثمارية أكثر وعيًا ويعزز قدرة القطاع على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل.
وأكد أن كفاءة المطور العقاري في المرحلة المقبلة يجب أن تُقاس بملاءته المالية، وقدرته على إدارة التدفقات النقدية، والالتزام بالجداول الزمنية للتنفيذ والتسليم، والوفاء بالتزاماته تجاه العملاء، مع ضرورة إتاحة مسارات عادلة للشركات الجادة للتأهل والنمو، بما يحقق التوازن بين حماية استقرار السوق وعدم إقصاء الكيانات القادرة على التطور والالتزام.
وحدد الشربيني مجموعة من الأولويات التي ينبغي أن تتصدر خطط الشركات العقارية استعدادًا لعام 2027، في مقدمتها إجراء اختبارات دورية للسيولة لقياس قدرة الشركة على تحمل ارتفاع تكاليف التنفيذ أو تأخر التحصيل، ومراجعة خطط التقسيط وفقًا لتكلفتها التمويلية الحقيقية، وربط طرح المشروعات الجديدة بالقدرة الفعلية على استكمال المشروعات القائمة، فضلًا عن تطوير منتجات عقارية تتناسب مع دخول العملاء واحتياجاتهم وتكاليف تشغيل الوحدات وصيانتها على المدى الطويل.
واختتم الشربيني بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام السوق العقارية المصرية لم يعد مقتصرًا على القدرة على البيع أو تحقيق أرقام تعاقدية مرتفعة، وإنما أصبح مرتبطًا بجودة النمو واستدامته، موضحًا أن التعاقدات ليست تحصيلًا، والتحصيل ليس ربحًا، وأن كل جنيه يدخل إلى الشركة يجب أن يُقرأ في ضوء الالتزامات التي يقابله، وتوقيتات استحقاقها، ومدى كفايته لاستكمال المشروع والوفاء بالوعد المقدم للعميل. وأضاف أن المرحلة المقبلة ستمنح الأفضلية للشركات الأكثر قدرة على تحويل المبيعات إلى تدفقات نقدية حقيقية، والتدفقات إلى تنفيذ وتسليم فعليين، والالتزام إلى رصيد مستدام من الثقة، باعتبار أن الانضباط المالي وكفاءة التنفيذ أصبحا الركيزة الأساسية لبناء قيمة عقارية حقيقية في عام 2027 وما بعده.