تستوقف المتابع لملف حوض النيل بين الحين والآخر تصريحات إعلامية حادة تصدر عن بعض المسؤولين في دول الحوض كان آخرها ما تداولته منصات إخبارية على لسان السياسي الجنوب سوداني "أجوك ماكور" بشأن إنشاء "سد فولا" على نهر النيل مغلفاً بنبرة تحد من قبيل "لا نخشى معارضة مصر". وهي تصريحات تفرض التوقف عندها لتفكيك سياقها والفصل القاطع بين الحقائق والواقع وبين الاستعراض السياسي الذي يُراد منه دغدغة المشاعر بلا رصيد من الواقع.
وبعيداً عن التهويل الإعلامي يجب وضع المشهد في نصابه الصحيح .. فمشروع "سد فولا" المزمع إقامته على النيل الأبيض قرب الحدود الأوغندية هو مجرد مشروع كهرومائي يعتمد تقنية توليد الكهرباء فقط أي أنه سد توليد قائم على جريان المجرى المباشر دون احتجاز بحيرات تخزينية ضخمة..
بمعنى آخر فالسد لا يحبس المليارات من الأمتار المكعبة ولا يغير من طبيعة النيل كما هو الحال في السدود التخزينية الكبرى .. فالمياه التي تدخل التوربينات لتوليد الكهرباء تخرج مباشرة لتواصل طريقها شمالاً.. ومن ثم فإن السد بحسب كافة الدراسات الأولية لا يشكل تهديداً كهرومائياً أو نقصاً مائياً بحصة مصر والسودان..
ولكن الأمر غير المقبول الآن هو في خطورة "التصريحات المنفردة" غير المسئولة والتي تمثل استفزازا لاداعي له وليس في خطورة السد نفسه .. فإن كان السد فنياً لا يمثل خطراً داهماً على حصة مصر المائية فإن الخطورة الحقيقية تكمن في السلوك السياسي والنبرة الإعلامية المرفوضة ..
إن محاولة إعلان المشروعات بلغة التحدي بدلا من الاستناد إلى أطر التنسيق الفني والتشاور المسبق بين دول المجرى والمصب تمثل محاولة لتكريس مبدأ الإرادة المنفردة وتجاوز قواعد القانون الدولي المنظم للمجاري المائية المشتركة.
ومصرلم تكن يوماً ضد حق الشعب الشقيق في جنوب السودان في الحصول على الطاقة الكهربائية والتنمية.. بل إن القاهرة هي الشريك الأكثر حضوراً ودعماً لجوبا من خلال مشروعات محطات الكهرباء الشمسية وحفر الآبار وتطهير مجاري المياه في منطقتي بحر الغزال والسد.. ولكن تحويل التعاون التنموي إلى منابر للتلاسن يستهدف تعكير صفو العلاقات التاريخية..
وفي العموم فإن السياسة الخارجية والدبلوماسية المصرية تتعامل مع هذه الملاسنات برصانة قائمة على معادلة واضحة .. فلا تهاون في قطرة ماء .. ولا انجراف خلف الشو الإعلامي.. فالمطلوب مصرياً في التعامل مع هذا الملف يتلخص في عدة مسارات حاسمة بالتشديد على التنسيق الفني وفتح قنوات التواصل المؤسسي عبر اللجان الفنية المشتركة لضمان مراجعة كل التفاصيل لأي مشروع وحصره في دائرة التوليد فقط دون التعدي على التدفقات..
أيضا يجب فصل التصريحات الفردية عن الموقف الرسمي والمطالبة بتوضيحات دبلوماسية رسمية حول مدى تعبير هذه التصريحات عن التوجه الرسمي لدولة جنوب السودان، للحفاظ على بيئة الاستقرار الإقليمي.. مع الاستمرار في دعم الشراكة التنموية والتأكيد على أن مصر مستعدة لتكون طرفاً مساهماً في دعم المشروعات الكهربائية في جوبا ضمن أطر المصلحة المتبادلة وعدم الإضرار بالأمن المائي.
إن النيل شريان حياة يربط بين شعوب الحوض بمصير مشترك وليس منصة للتراشق الإعلامي أو صناعة البطولات الوهمية.. وعلى مسؤولي المنطقة إدراك أن الأمن المائي لمصر خط أحمر يحميه التاريخ والجغرافيا والقدرة الاستراتيجية وأن طريق التنمية الحقيقي يمر عبر بوابات التنسيق الفني الشفاف والتكامل المشترك لا عبر الميكروفونات وعدسات الكاميرات.