في الوقت الذي تُسابق فيه الجامعة الأمريكية والمركز الثقافي البريطاني والمؤسسات الدولية الزمن لتقديم اللغة الإنجليزية مجاناً للعرب، ونشر ثقافتها بلا مقابل، تقوم وزارة التربية والتعليم المصرية بفرض رسوم باهظة على أبناء البلد نفسه لتعلم لغتهم العربية، تحت شعار الحفاظ على الهوية .. مفارقة تكشف أن القضية ليست هوية، بل جباية مقنعة.
وقبل أن نناقش للمرة الثانية قرار وزير التربية والتعليم بإجبار طلاب الثانوية، دولية ، على دراسة التاريخ والعربي والدين حتى في سنتي التخصص وإضافتها للمجموع، لا بد أن نتوقف عند حقيقة تاريخية فجرها أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية الدكتور إبراهيم العسال في 30 ثانية.
ففي حواره الأخير مع الإعلامي محمود سعد، طرح العسال سؤالاً صادماً:
من هم علماء الحديث الستة؟
وأجاب العسال: كلهم فرس .. البخاري من بخارى، ومسلم من نيسابور، وأبو داود من سجستان، والترمذي من ترمذ، والنسائي من نسا، وابن ماجه من قزوين ..الستة لم يكن بينهم عربي واحد.
ثم أتبعها بالحقيقة التاريخية الأكبر قائلا : "سيبويه الفارسي هو اللي عمل أهم كتاب في النحو العربي .. وصاحب لقب إمام النحاة".
وكذلك الزمخشري صاحب أساس البلاغة، والفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط، أضخم قاموس عربي في التاريخ.
وختم العسال كلمته : "دول قبل ما يخشوا الإسلام مكنوش بيتكلموا عربي.. يبقى فين قاموس الهوية ده؟".
وهذه الحقيقة هي التي غابت تماماً عن أعضاء جلسة "ماذا يتعلم أبناؤنا؟ وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟" التي ترأسها الدكتور مصطفى مدبولي في المنتدى.
جلسة كان يفترض أن تناقش جودة التعلم ومدى جاهزية الطالب لسوق العمل، تحولت من حوار تربوي إلى بيان إداري .. من سؤال "ماذا يتعلم أبناؤنا" إلى إجابة واحدة: "ماذا قررنا لأبنائكم وانتهى".
وانتهت بتصريح الوزير الحاسم وبدون أي مرونة: "مفيش طالب مش هيدرس التاريخ والعربي والدين في أي مدرسة من مدارس مصر، الموضوع ده انتهى".
وانتهى الحوار وتم تحصين قرار إداري، قابل للنقد والطعن والتقاضي، بعباءة "الأمن القومي" وأنه "قرار دولة وليس قرار وزارة" وهو في حقيقته ليس حماية للهوية، بل إعدام للحوار، ويضع أولياء أمور المدارس الدولية في خانة المعارضة للدولة لمجرد أنهم طالبوا بمزيد من المرونة في قرار الوزير .
فلا أحد يرفض تدريس مواد الهوية فالخلل ليس في المبدأ، بل في التوقيت والطريقة والهدف، ثم في الرسوم .
فنحن مع أن تُدرس العربية والتاريخ والدين كمواد هوية وثقافة وانتماء في سنوات التأسيس، فهذا واجب وطني .. أما أن تُفرض قسراً في سنوات التخصص النهائية في الثانوية، وتُضاف للمجموع الذي يحدد مصير الطالب ومقعده الجامعي، مع فرض رسوم باهظة على الامتحان الوزاري، فهذا عبث تربوي ومالي.
ما المنطق في أن يُحاسب طالب اختار مسار الطب والهندسة والذكاء الاصطناعي، ويستعد لمنافسة عالمية بمعايير دولية، على مادة تاريخ مفصلة أو بلاغة متقدمة في أهم عامين من عمره الدراسي؟
وهذه المواد في سنوات التخصص مفيدة وضرورية لمن يريد الاستكمال في كليات تتعمق في دراسة اللغة العربية والتاريخ والشريعة، كدار العلوم والآداب والألسن والحقوق، وليست لمن يستهدف كليات الطب والصيدلة والهندسة.
كما أن الهوية لا تُبنى بإجبار طالب يستهدف مواد طبية وعملية على حفظ قصيدة جاهلية في سنة تحديد المصير، بل ببناء شخصيته في سنوات التكوين.
والمفارقة أن التاريخ الذي يُراد فرضه بالقوة، هو نفسه التاريخ الذي يقول إن من حفظوا قواعد اللغة العربية لم يكونوا عرباً، وإن أول نظام للغة العربية وُضع لغير الناطقين بها.
فكيف نتهم طلابنا اليوم بفقدان الهوية، بينما من أسسوا الهوية ذاتها كانوا لا يتحدثون العربية قبل الإسلام؟
وكيف تقدم اللغة الإنجليزية للعالم مجاناً كأداة انفتاح، بينما نفرض لغتنا الأم على أبنائنا برسوم باهظة كأداة عقاب.. بحجة الحفاظ على الهوية ؟؟
لو كان العسال، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، حاضراً في تلك الجلسة، وهو الذي افتتح جلسات المنتدى بكلمة مؤثرة عن مصر أشاد بها الجميع، لقال للوزير: الهوية لا تُفرض بقرار إداري محصن بشعار الأمن القومي لإغلاق باب النقاش، ولا تُباع برسوم، الهوية تُبنى بمنطق حضاري مرن يفرق بين مادة ثقافة عامة ومادة تخصص تحدد مستقبل طبيب ومهندس.
والشعب المصري يتحمل أي شيء، إلا ما يمس مستقبل أولاده.
وأكرر ما قلته في مقالى السابق: الهوية لا تُفرض بنسبة مئوية ولا تُقاس بامتحان وزاري، بل تُبنى بمحتوى جذاب يدرس كأداة تفكير لا كمادة حفظ، وإلا دفعنا الطالب للهروب منها.
ولغرس هوية حقيقية، اجعل العربي والتاريخ والدين مواد نجاح ورسوب حتى الإعدادية، واغرسها في وجدانه بلا رسوم.
أما أن تجعلها سيفاً على رقبته ورسوماً على كاهل أسرته في أهم عامين من حياته، فأنت لا تحافظ على الهوية.. أنت تدفعه للهروب منها، والهروب منك.