عاجل

حين يفقد المواطن شعوره بالأمان وتتحول الشوارع والمتاجر والمنازل إلى أهداف للصوص يصبح السؤال أكبر من مجرد ارتفاع معدلات الجريمة أين هيبة القانون وأين ذهبت قدرة الشرطة على حماية الناس فحين يصبح اللص أكثر جرأة من القانون ويخرج المواطن إلى الشارع وهو يخشى على هاتفه ويغلق صاحب المتجر أبوابه وهو يحسب خسائره فهنا لا نتحدث عن سرقات عادية بل عن أزمة أمن وثقة تضع هيبة المملكة المتحدة أمام اختبار حقيقي بريطانيا التي طالما قدمت نفسها للعالم باعتبارها دولة القانون والمؤسسات تواجه اليوم أسئلة صعبة بشأن الأمن في الشوارع وانتشار السرقات وقدرة أجهزة الشرطة على ملاحقة الجناة واستعادة ثقة المواطنين فالأمان ليس رفاهية ولا امتيازاً تمنحه المملكة لمواطنيها بل هو حق أساسي لا تستقيم الحياة بدونه هذا المشهد اليومى يثير القلق ويطرح سؤالاً لا يجوز تجاهله كيف يمكن لمجتمع أن يشعر بالطمأنينة إذا أصبح الخوف من الجريمة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية حيث تتردد أرقام ضخمة حسب الإحصاءات الرسمية للشرطة عن تسعة ملايين جريمة مسجلة هذا العام كما تحدثت التقارير عن خسائر اقتصادية فادحة تتكبدها الشركات وصلت لمليار ونصف المليار جنيه كما تم السطو على 530 الف متجر ومئات الآلاف من المنازل فضلًا عن سرقات الهواتف التي تحولت في بعض المناطق إلى ظاهرة تثير غضب المواطنين وقد ربح المجرمون من سرقات الهواتف فقط مايزيد عن خمسين مليون جنيه سنوياً فالصوص يقتحمون المتاجر وآخرون يستهدفون المنازل والشركات وسرقات تقع في وضح النهار بينما يشعر بعض الضحايا بأن رحلة البحث عن حقوقهم أطول من قدرة أعصابهم على الاحتمال
بالاضافة للهواتف التى  تُنتزع من أيدي أصحابها في وضح النهار ومواطنين يشعرون بأن ممتلكاتهم أصبحت فريسة سهلة للمجرمين 
بينما تتزايد المخاوف من أن تتحول السرقة إلى نشاط منخفض المخاطر في نظر مرتكبيها إذا كانت احتمالات اكتشافهم ومحاسبتهم محدودة
والأخطر من الجريمة ذاتها أن يفقد المواطن ثقته في إمكانية كشفها وأن يعتقد المجرم أن فرص الإفلات من العقاب أكبر من مخاطر القبض عليه عند هذه النقطة لا تعود المشكلة مجرد هاتف مسروق أو متجر تعرض للاقتحام بل تصبح اختباراً حقيقياً لهيبة القانون وقدرة الدولة على فرض النظام فالمجرم الذي لا يخشى العقاب يتمدد والمواطن الذي لا يثق في الحماية ينسحب وبينهما تتآكل الثقة التي تقوم عليها العلاقة بين المجتمع والدولة فالمأساة الحقيقية ليست في عدد الجرائم بل في شعور الضحية بأن المجرم قد يسرقه مرة ثم تتركه الإجراءات عاجزاً عن استرداد حقه أو رؤية العدالة تتحقق وإذا كانت بعض الجرائم لا تُكشف فإن المطلوب هو مراجعة أسباب ذلك هل تعاني أقسام الشرطة من نقص الإمكانات هل تتأخر الاستجابة للبلاغات هل تحتاج أساليب التحقيق والتعامل مع الأدلة الرقمية إلى تطوير وهل يشعر الضحايا بأن بلاغاتهم تحظى بالاهتمام الكافي هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة لا تبريرات جاهزة لأن الأمن لا يُقاس بالوعود وإنما بما يلمسه الناس 
في حياة الناس فعندما يتكرر اقتحام المتاجر وتتعرض المنازل للسرقة ويخشى المارة على هواتفهم وممتلكاتهم لا يكفي أن تصدر الشرطة البيانات ولا أن تسجل البلاغات ولا أن تطالب المواطنين بمزيد من الحذر المطلوب هو حضور أمني فعال وتحقيقات جادة واستجابة سريعة وملاحقة حقيقية للجناة حتى يدرك كل من يفكر في ارتكاب جريمة أن القانون لن يتركه يفلت من العقاب للجريمة ثمن يتجاوز قيمة المسروقات فالتاجر الذي يتعرض للسرقة قد يضطر إلى دفع تكاليف إضافية للتأمين والحراسة وربما يرفع الأسعار لتعويض خسائره والشركة التي تتعرض للاقتحام قد تخسر بضائع وأجهزة فضلاً عن تعطيل العمل وتراجع ثقة العملاء أما المواطن فقد يفقد هاتفاً يحمل بياناته وصوره وأسراره ويجد نفسه مضطراً إلى إنفاق أموال إضافية لاستبداله وتأمين حساباته وهكذا تتحول الجريمة إلى عبء اقتصادي واجتماعي يدفع ثمنه الجميع من أصحاب الأعمال إلى الأسر البسيطة ومن دافعي الضرائب إلى المستهلكين ولا يجوز أن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة حيث يتحمل تكلفة الجريمة مرة ثم يتحمل تكلفة الحماية الخاصة مرة أخرى بينما يظل السؤال قائماً فأين الحماية التي يدفع المجتمع ثمنها من موارده العامة والأخطر من ذلك أن تتكون لدى الناس قناعة بأن بعض اللصوص أصبحوا يعرفون كيف يستغلون ثغرات المنظومة الأمنية وأنهم قادرون على تكرار جرائمهم قبل أن تصل إليهم يد العدالة عندها 
لا تكون الأزمة أمنية فحسب بل تصبح أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة بريطانيا لا تفتقر إلى القوانين لكن وجود القانون على الورق لا يكفي إذا شعر الناس بأن تطبيقه بطيء أو غير فعال فالعدالة التي تتأخر والتحقيق الذي يتعثر والبلاغ الذي لا يجد استجابة مناسبة كلها أمور قد تترك أثراً أعمق من الخسارة المادية نفسها والمطلوب ليس تشديد العقوبات بصورة عشوائية بل بناء منظومة متكاملة تجعل اكتشاف الجريمة أكثر احتمالاً والاستجابة أسرع والإجراءات أكثر كفاءة ومحاسبة الجناة أكثر فاعلية كما يتطلب الأمر حماية الضحايا وتطوير وسائل تتبع الهواتف المسروقة ومواجهة شبكات إعادة بيع المسروقات وتعزيز التنسيق بين الشرطة والنيابة والقضاء فالمجرم لا يتوقف عن نشاطه لأن المجتمع غاضب منه وإنما عندما يدرك أن هناك منظومة قادرة على تعقبه ومحاسبته
فهل تدفع بريطانيا ثمن التراخي ..؟؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن تتحول الجرائم المتكررة إلى أمر معتاد وأن يتكيف المواطن مع الخوف بدلاً من أن تعمل المؤسسات على إنهائه عندما ينصح الناس بعضهم بعضاً بإخفاء هواتفهم باستمرار وتجنب شوارع معينة وعدم ترك ممتلكاتهم في سياراتهم فهذه احتياطات قد تكون ضرورية لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة فالأمن 
ليس مسؤولية المواطن وحده كما أن الوقاية الشخصية لا تعفي المؤسسات من واجبها
ولا يمكن مطالبة الناس بالثقة في منظومة لا يرون نتائجها بوضوح؛ فالثقة تُبنى بالإنجاز والمحاسبة والشفافية ومع ذلك فإن الحكم على حجم الأزمة يتطلب التمييز بين الجرائم المسجلة والجرائم التي جرى كشفها وبين أنواع الجرائم المختلفة ومعدلاتها من منطقة إلى أخرى فالأرقام الدقيقة لا المبالغات هي الأساس الذي تُبنى عليه السياسات الناجحة لأن بريطانيا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات عن سيادة القانون بقدر 
ما تحتاج إلى أن يشعر المواطن بهذه السيادة في حياته اليومية يحتاج صاحب المتجر إلى أن يفتح أبوابه دون خوف وصاحب المنزل إلى أن ينام مطمئناً والمواطن في الشارع يستخدم هاتفه دون أن يلتفت خلفه كل لحظة خشية اللصوص
قد تفخر بريطانيا بتاريخها ومؤسساتها لكن المواطن لا يعيش على أمجاد الماضي ما يعنيه هو أن يعود إلى منزله آمناً وأن يفتح متجره دون خوف وأن تتحرك ابنته في الشارع دون أن تشعر بأنها هدف سهل للصوص وأن يجد من يستمع إليه عندما يتعرض للظلم فالدولة القوية ليست التي 
لا تقع فيها جريمة فالجريمة موجودة في مختلف المجتمعات وإنما التي لا تسمح بتحولها إلى واقع يفرض نفسه على الناس ولا تترك ضحاياها يشعرون بأنهم وحدهم في مواجهة المجرمين
فليس من الطبيعى ان كل عشرة لصوص من لصوص الأحياء يتم ضبط واحداً منهم
فبريطانيا  أصبحت أمام معركة لا تتعلق فقط بملاحقة اللصوص بل باستعادة الثقة في القانون وإثبات أن مؤسسات الدولة أقوى من كل من يحاول تحديها فالدولة القوية ليست تلك التي تتباهى بتاريخها الإمبراطوري ولا تلك التي تملك مؤسسات عريقة فحسب بل التي تستطيع حماية مواطنيها وإنصاف ضحاياها، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء فالمطلوب اليوم ألا يغيب الأمن عن شوارعها وألا يصبح الخوف هو القانون غير المكتوب الذي يحكم حياة مواطنيها
فالدولة التي لا يستطيع مواطنها أن يطمئن في بيته أو يسير آمناً في شارعه مطالبة بأن تراجع حساباتها لأن هيبة الدولة لا تُقاس بقوة خطابها بل بقدرتها على حماية أضعف مواطن فيها
وإذا كانت بريطانيا قد عرفت يوماً بالإمبراطورية 
التى لا تغيب عنها الشمس فإن التحدي الذي تواجهه اليوم هو ألا تصبح في نظر مواطنيها الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الجريمة.

تم نسخ الرابط