محمود أبو الخير : علاوة المخاطر الجيوسياسية بجانب المخاوف التضخمية حاليا ستدعم جاذبية بعض الأصول العقارية كوسيلة للتحوط
أكد المهندس محمود أبو الخير -عضو أمانه الإسكان المركزيه بحزب مستقبل وطن ، أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الاقتصاد العالمي يفرض إعادة قراءة المعادلة الاستثمارية لصناعة التطوير العقاري، في ظل انتقال تأثير الصراعات والتوترات الدولية من نطاق السياسة والعلاقات بين الدول إلى بنية التكاليف، وأسواق التمويل، وسلاسل الإمداد، وتوقعات المستثمرين، مشيرًا إلى أن المفهوم الأكثر أهمية في هذه المرحلة لا يتمثل فقط في انعكاس الاضطرابات على أسعار العقارات، وإنما في كيفية إعادة تسعير المخاطر ذاتها داخل المنظومة الاستثمارية.
وأوضح أبو الخير أن ما يُعرف اقتصاديًا بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» يعكس الزيادة في العائد الذي يطلبه المستثمر مقابل تحمّل مستويات إضافية من عدم اليقين، أو ما يقابلها من انخفاض في القيمة التي يكون مستعدًا لدفعها مقابل أصل استثماري في بيئة أكثر تعرضًا للصدمات. وفي القطاع العقاري، لا تعمل هذه العلاوة من خلال قناة واحدة، بل تتشكل عبر شبكة مترابطة من المتغيرات تشمل تكلفة التمويل، ومعدلات التضخم، وأسعار الطاقة ومواد البناء، واستقرار سلاسل الإمداد، وتوقعات الطلب، ومدى قدرة السوق على تحويل القيمة النظرية للأصول إلى تدفقات نقدية فعلية.
وأضاف أن خصوصية العقار باعتباره أصلًا طويل الأجل وكثيف الاحتياج إلى رأس المال تجعله أكثر حساسية للفجوة الزمنية بين اتخاذ القرار الاستثماري وتحقيق العائد؛ فالمشروع الذي تُبنى جدواه على افتراضات مستقرة بشأن تكاليف التنفيذ والتمويل والطلب قد يواجه اختلالًا في معادلته الاقتصادية إذا تغيرت البيئة الجيوسياسية بصورة مفاجئة. ومن ثم، فإن المخاطر لا تقتصر على ارتفاع تكلفة البناء أو تراجع القدرة الشرائية، بل تمتد إلى تغير تكلفة الفرصة البديلة لرأس المال، وإعادة تقييم العائد المتوقع، واحتمالات تأخر التدفقات النقدية، بما يفرض على المطورين الانتقال من نماذج التخطيط القائمة على التوقعات الثابتة إلى نماذج أكثر مرونة وقدرة على اختبار السيناريوهات.
وأشار أبو الخير إلى أن الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا يتمثل في افتراض أن التوترات الجيوسياسية تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار العقارات باعتبارها ملاذًا لحفظ القيمة؛ إذ إن هذه العلاقة ليست آلية ولا تعمل بالاتجاه نفسه في جميع الأسواق. فبينما قد تدعم المخاوف التضخمية جاذبية بعض الأصول العقارية بوصفها وسيلة للتحوط على المدى الطويل، فإن ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف الإنشاء وتشدد شروط التمويل وتراجع الدخول الحقيقية قد يضغط على الطلب الفعلي ويحد من قدرة السوق على استيعاب الزيادات السعرية. وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية بين ارتفاع تكلفة إنتاج الأصل العقاري وبين قدرة المشتري النهائي على تحمّل سعره، وهي فجوة قد تتسع حتى في الأسواق التي تسجل زيادات اسمية في الأسعار.
وأكد أن التمييز بين القيمة السوقية والقيمة الاقتصادية المستدامة يمثل أحد المفاتيح الرئيسية لفهم المرحلة الراهنة؛ فالقيمة السوقية قد تتأثر بالتوقعات والمضاربات وتغير تكلفة الإحلال، بينما ترتبط القيمة الاقتصادية طويلة الأجل بقدرة الأصل على توليد منفعة حقيقية، واستقطاب طلب قابل للاستمرار، وتحقيق تدفقات نقدية تتناسب مع تكلفته الاستثمارية. ومن هذا المنطلق، فإن اختبار قوة السوق العقارية لا ينبغي أن يقتصر على معدلات نمو المبيعات أو الارتفاعات السعرية، بل يجب أن يمتد إلى جودة الطلب، ومستويات الإشغال، والقدرة على السداد، وكفاءة إدارة السيولة، ومدى قدرة المشروعات على الحفاظ على جدواها في ظل تغير الافتراضات الاقتصادية.
ولفت أبو الخير إلى أن تداعيات المخاطر الجيوسياسية قد تخلق تفاوتًا متزايدًا بين المشروعات والشركات داخل السوق الواحدة؛ فالمطور الذي يمتلك هيكلًا تمويليًا متوازنًا، ومحفظة أراضٍ مدروسة، وجدولًا تنفيذيًا مرنًا، وقدرة على إدارة المشتريات والتدفقات النقدية، يكون أكثر استعدادًا لامتصاص الصدمات من المطور الذي يعتمد على توسعات سريعة أو التزامات تمويلية مرتفعة أو افتراضات متفائلة بشأن وتيرة البيع والتحصيل. وبالتالي، فإن إدارة المخاطر لم تعد وظيفة مساندة داخل الشركات العقارية، وإنما أصبحت جزءًا أصيلًا من هندسة القرار الاستثماري ومن محددات استمرارية النشاط.
وذكر أبو الخير أن السوق المصرية تحتاج في هذا السياق إلى قراءة متوازنة تفرق بين التأثيرات الخارجية المباشرة، مثل اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار بعض مدخلات الإنتاج، والتأثيرات غير المباشرة التي تمر عبر أسعار الصرف والتضخم وتكلفة الائتمان وثقة المستثمرين. فدرجة انتقال الصدمة العالمية إلى السوق المحلية تتوقف على طبيعة كل متغير، ومدى استمراره، وقدرة الشركات والاقتصاد على امتصاصه، فضلًا عن خصائص الطلب المحلي وتنوع شرائحه. ومن ثم، فإن التعامل مع المخاطر الجيوسياسية يتطلب بناء سيناريوهات متعددة بدلًا من تعميم أثر واحد على جميع المشروعات أو افتراض أن كل زيادة في التكلفة يجب أن تنعكس تلقائيًا على السعر النهائي.
وشدد على أهمية تطوير أدوات أكثر تقدمًا لتقييم المخاطر داخل شركات التطوير العقاري، تشمل اختبارات الضغط المالي، وقياس حساسية التدفقات النقدية لتغير أسعار الفائدة وتكاليف الإنشاء، وتقييم الفجوة بين مواعيد التحصيل والالتزامات التنفيذية، إلى جانب وضع مؤشرات إنذار مبكر لرصد تراجع المبيعات أو ارتفاع معدلات التعثر أو زيادة مدة دوران المخزون العقاري. كما أن تنويع مصادر التمويل، وتحسين إدارة رأس المال العامل، وربط وتيرة التوسع بمعدلات التنفيذ والتحصيل الفعلية، يمكن أن يحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى اختلالات داخلية تهدد استدامة المشروعات.
واختتم أبو الخير بالتأكيد على أن التحول الأهم الذي تفرضه المرحلة ليس مجرد الاستعداد لارتفاع التكاليف، بل إعادة تعريف مفهوم الأمان الاستثماري في القطاع العقاري؛ فالأمان لا يتحقق بمجرد امتلاك أصل مادي، وإنما بامتلاك أصل يتمتع بطلب حقيقي، وتسعير قابل للاستمرار، وهيكل تمويلي قادر على الصمود، ونموذج تشغيلي يستطيع التكيف مع المتغيرات. وفي عالم تتزايد فيه تقلبات البيئة الدولية، ستصبح الميزة التنافسية للمطور العقاري مرتبطة بقدرته على تسعير المخاطر قبل وقوعها، لا بمجرد تمرير تكلفتها بعد حدوثها، وبقدرته على بناء قيمة اقتصادية مستدامة تتجاوز الحركة السعرية الآنية إلى الاستثمار المنتج القادر على امتصاص الصدمات وصناعة النمو.