شادي الزيات: رؤية مصر العمرانية حتى 2052 تعكس تحولا استراتيجيا في إدارة النمو السكاني
أكد الدكتور شادي الزيات، خبير التطوير العقاري، أن الرسائل التي طرحها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال الجلسة الرئيسية لمنتدى مصر 2026 حول التنمية الحضرية والعمرانية، تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة التخطيط العمراني في مصر، من التعامل مع التكدس السكاني باعتباره أزمة متراكمة إلى توظيف التنمية العمرانية كأداة استراتيجية لإعادة توزيع السكان والاستثمارات والأنشطة الاقتصادية على مستوى الجمهورية.
وأوضح الزيات أن التحدي الحقيقي الذي واجه الدولة المصرية لم يكن مقتصرًا على الزيادة السكانية، وإنما ارتبط بتركز السكان والأنشطة الاقتصادية في نطاق جغرافي محدود حول الوادي والدلتا، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة التكدس، وتفاقم الضغط على البنية التحتية، وتراجع كفاءة الحركة داخل المدن، فضلًا عن استمرار التعديات على الأراضي الزراعية. ومن هذا المنطلق، فإن التوسع في إنشاء المدن الجديدة يمثل أحد المسارات الرئيسية لتخفيف الضغوط عن المدن القائمة وخلق مراكز حضرية واقتصادية بديلة قادرة على استيعاب النمو المستقبلي.
وأضاف أن أهمية المخطط الاستراتيجي للتنمية العمرانية حتى عام 2052 تتمثل في أنه يضع إطارًا طويل الأجل لإدارة التوسع العمراني، بما يتجاوز الحسابات قصيرة المدى، ويمنح الدولة والقطاع الخاص رؤية أوسع لتوجيه الاستثمارات وتحديد احتياجات البنية التحتية والخدمات والأنشطة الإنتاجية. وأشار إلى أن المشروعات العمرانية الكبرى لا يمكن تقييمها فقط وفقًا لمعدلات الإشغال الحالية، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها أصولًا اقتصادية ممتدة، تتطور قيمتها مع اكتمال شبكات النقل والخدمات، وانتقال السكان، وتوطين الأنشطة التجارية والصناعية والإدارية.
وشدد الزيات على أن نجاح المدن الجديدة لا يرتبط بحجم الإنشاءات أو المساحات العمرانية التي تمت إضافتها فحسب، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد محلي مستدام يوفر فرص العمل ويجذب الاستثمارات ويخلق طلبًا حقيقيًا على السكن والخدمات. فالمعيار الأهم لقياس كفاءة التنمية العمرانية هو الانتقال من مفهوم المدينة باعتبارها تجمعًا سكنيًا إلى مفهوم المدينة المنتجة التي تضم منظومة متكاملة من فرص العمل والتعليم والصحة والخدمات والترفيه والأنشطة الاقتصادية.
وأشار خبير التطوير العقاري إلى أن القطاع العقاري يمثل أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد المصري، نظرًا لارتباطه بعشرات الصناعات والأنشطة المساندة، بدءًا من مواد البناء والصناعات الهندسية، وصولًا إلى النقل والخدمات والتسويق والتمويل. ومن ثم، فإن الاستثمار في التنمية العمرانية يمتد أثره إلى سلاسل القيمة الاقتصادية، ويسهم في تحفيز الإنتاج والتشغيل، شريطة تحقيق التكامل بين التوسع العمراني والسياسات الصناعية والاستثمارية، وعدم الاكتفاء بالنمو الإنشائي بمعزل عن الأنشطة القادرة على توليد قيمة مضافة مستمرة.
ولفت الزيات إلى أن تطوير المدن القائمة وتحسين جودة الحياة داخلها يجب أن يظل مسارًا موازيًا للتوسع في المدن الجديدة، لأن التنمية المتوازنة لا تقوم على نقل الاهتمام من منطقة إلى أخرى، وإنما على رفع كفاءة المجال العمراني المصري بالكامل. وأوضح أن تطوير المناطق غير الآمنة، وتحسين خدمات الصرف الصحي والبنية الأساسية في القرى، وتوفير السكن الملائم لمختلف شرائح المجتمع، تمثل استثمارات في رأس المال البشري وفي القدرة الإنتاجية للدولة، وليست مجرد مشروعات خدمية منفصلة عن مسار التنمية الاقتصادية.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تعظيم العائد من الاستثمارات العمرانية القائمة من خلال تسريع معدلات التشغيل والإشغال، وتعزيز الربط بين المدن الجديدة وشبكات النقل والمناطق الصناعية ومراكز الخدمات، إلى جانب تشجيع الاستثمارات التي توفر فرص عمل مستقرة وتدعم النشاط الاقتصادي طوال العام. كما تبرز أهمية تطوير أدوات قياس أداء المدن، بحيث لا تقتصر على حجم الإنفاق أو عدد الوحدات المنفذة، بل تشمل معدلات جذب السكان، وفرص العمل المتولدة، وحجم النشاط الاقتصادي، وكفاءة استخدام المرافق، وقدرة المدينة على تغطية احتياجاتها التشغيلية بصورة مستدامة.
واختتم الدكتور شادي الزيات تصريحه بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي في التجربة العمرانية المصرية يتمثل في تحويل ما تحقق من بنية أساسية ومدن جديدة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة يشعر بها المواطن وتنعكس على تنافسية الاقتصاد. فالتخطيط طويل الأجل يكتسب أهميته عندما يتحول إلى منظومة متكاملة تربط الأرض بالاستثمار، والسكن بفرص العمل، والإنشاء بالتشغيل، بما يضمن أن تكون التنمية العمرانية رافعة للنمو والإنتاجية وتحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة.