قراءة تحليلية في مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة-القاهرة 13-15 أكتوبر 2026 عندما يتحول التراث من ذاكرة تحفظ إلى اقتصاد ينهض-التراث لا يحفظ بالمؤتمرات.. بل بالقرارات التي تليها
المجلس الأعلى للثقافة لم يعقد مؤتمراً، بل افتتح ورشة عمل وطنية كبرى. مؤتمر "التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام.. الفرص والتحديات"، الذي عقد على مدار ثلاثة أيام بين مقر المجلس بالقاهرة ومقر جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا بمدينة 6 أكتوبر، تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبد العزيز قنصوة القائم بأعمال وزير الثقافة، وبإشراف الأستاذ الدكتور أشرف العزازي الأمين العام للمجلس، والأستاذة الدكتورة هالة المنوفي رئيس الجامعة، والأستاذ وائل حسين رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان الثقافية.
مؤتمر شارك فيه أكثر من 160 باحثاً ومتخصصاً عبر 27 جلسة بحثية موزعة علمياً، وبحضور مؤسسي متكامل ضم صندوق التنمية الثقافية برئاسة المهندس حمدي سطوحي، والجهاز القومي للتنسيق الحضاري برئاسة المهندس محمد أبو سعدة، والهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، والهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة المهندس هيثم يونس، وجمعية خير بلدنا للتنمية المستدامة برئاسة الأستاذة نيفين رأفت.
من المنصة.. ماذا قالت القيادات؟
كانت كلمات الافتتاح والجلسات الرئيسية هي البوصلة الحقيقية للمؤتمر، وجاءت على النحو التالي:
أولاً: كلمة الأستاذ الدكتور أشرف العزازي - الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية للمؤتمر
افتتح الأمين العام المؤتمر بكلمة مفصلية حدد فيها فلسفة المجلس الجديدة، قائلاً: "إن المجلس في هذه الدورة قرر أن يغير سؤاله التاريخي. لم نعد نسأل: كيف نحفظ التراث؟ بل أصبح سؤالنا: كيف نجعل التراث يحفظنا؟ كيف يحفظ اقتصادنا وهويتنا وشبابنا؟ هذا المؤتمر بعنوانه (إلى الأمام) هو إعلان عن تحول المجلس من حارس للذاكرة إلى منتج للتنمية. نحن هنا لنضع خريطة طريق، وليس مجرد توصيات على الورق."
ثانياً: كلمة الدكتورة نهلة إمام - مستشار وزير الثقافة للتراث غير المادي والمنسق العام للجنة العلمية:
أكدت أن اللجنة العلمية قامت بتحكيم 240 بحثاً قبلت منها 160 فقط بمعايير أكاديمية صارمة، لأن الهدف ليس الاحتفال بل بناء استراتيجية. وقالت: "انتهى زمن الدفاع عن التراث، وبدأ زمن الهجوم به كأداة قوة ناعمة وتنموية."ثالثاً: كلمة الدكتورة نيفين رأفت - رئيسة جمعية خير بلدنا للتنمية المستدامة:
أكدت على جهود الجمعية الممتدة لنحو 20 عاماً في إحياء التراث وصون الهوية المصرية ونقلها للأجيال المتعاقبة. وثمنت التعاون مع وزارة الثقافة ومنظمة اليونسكو، وهو ما ترجمته الجمعية عملياً بتقديم أبحاث متخصصة بالمؤتمر لدعم حرفتي الخيامية والتراث الملبسي.
رابعاً: كلمة الدكتورة هالة المنوفي - رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا - ألقتها نيابة عنها الدكتورة عبير العناني مسؤول ملف التراث بالجامعة:
كشفت عن أول معمل رقمي للتراث بالتعاون بين الجامعة والمجلس، حيث سيتم تحويل حركة التنورة وإيقاع الطبل إلى أكواد رقمية وبرامج ذكية بتقنية 3D، مؤكدة أن الجامعة تضع معاملها لخدمة شباب الباحثين. واستعرضت جهود الجامعة في دمج التراث بالابتكار الرقمي عبر ابتكار طلابها لتطبيق ذكي يترجم اللغة الهيروغليفية ونال تكريماً رسمياً.
خامساً: كلمة الدكتورة غادة عبد الباري - مسؤول المكتب الوطني لليونسكو - ألقتها نيابة عنها الدكتورة هالة عبد الجواد عضو ومقرر لجنة العلوم باللجنة الوطنية المصرية لليونسكو:
أكدت أن التراث هو الذاكرة الحية للشعوب، وأن اليونسكو لم تعد تريد تراثاً محنطاً في ملفات، بل تريد تراثاً حياً يمارس، وأن ما يحدث هو التطبيق الحرفي لاتفاقية 2003. وأبرزت نجاح مصر في تسجيل سبعة عناصر تراثية وثلاث مدن تراثية باليونسكو، مؤكدة أن مصر تمتلك أكثر من 700 عنصر قابل للتسجيل إذا استمر هذا المنهج العلمي، مطالبة بتوسيع التشبيك مع المدارس والجامعات لضمان استدامة الصون.
الخريطة العلمية.. 27 جلسة في 4 مسارات للمستقبل
لم تكن الجلسات عشوائية، بل كانت خريطة طريق متكاملة وموزعة بدقة لاستيعاب 160 بحثاً:
1- مسار المقاومة : فنون الأداء الشعبي بين الانحسار وإعادة الإنتاج، وكيف ننقل السيرة الهلالية والأراجوز من قصور الثقافة إلى منصات الشباب الرقمية.
2- مسار الحياة : الحرف التقليدية ورهان الاستدامة البيئية، وهو المسار الأهم الذي جسده معرض الحرف المصاحب، وناقش حرف التلي والفخار والخوص كاقتصاد أخضر.
3- مسار المستقبل: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وصون التراث، وهو ما احتضنته جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا في اليوم الثاني من المؤتمر.
4- مسار الإنسان : المعارف التقليدية العلاجية وإمكانيات التوثيق والتكامل مع الطب الحديث، وهو المحور الذي شهدت فعالياته الجلسة السادسة في اليوم الثالث.
التراث.. اقتصاد قائم بذاته وليس عبئاً ثقافياً
إن الأهمية الحقيقية للاهتمام بالتراث غير المادي لم تعد تكمن في كونه ذاكرة وهوية فقط، بل في كونه آلية اقتصادية قوية ومباشرة لرفع الاقتصاد ودعم المشروعات الصغيرة وتحقيق التنمية المستدامة.
فكل عنصر من عناصر هذا التراث هو في جوهره مشروع صغير قائم بذاته. فحرفة التلي في سوهاج، وصناعة الفخار في قرية تونس، وصناعة الخوص في سيوة، ليست مجرد حرف فلكلورية، بل هي سلاسل قيمة اقتصادية متكاملة تبدأ من المادة الخام المحلية ولا تحتاج إلى استيراد، وتمر بمهارة يدوية لا يمكن للآلة أن تقلدها، وتنتهي بمنتج عالمي الطابع مطلوب في أسواق السياحة والتصدير.
إن الاستثمار في هذا التراث هو استثمار مباشر في أهداف التنمية المستدامة: يوفر وظائف للمرأة والشباب دون هجرة، ويعتمد على خامات طبيعية صديقة للبيئة، ويحافظ على هوية القرية المصرية.
أصالة الموروث وعصرية الآليات.. نحو لجنة علمية عابرة للتخصصات
رغم القيمة الأكاديمية الرفيعة والوزن الثقيل الذي حظيت به اللجنة العلمية للمؤتمر، بقيادة قامات مرموقة؛ في مقدمتهم الأستاذ الدكتور أشرف العزازي رئيس اللجنة بخبرته الثاقبة والدكتورة نهلة إمام برؤيتها الدولية كمنسق عام، والدكتور سعيد المصري ببعده السوسيولوجي الرصين، إلى جانب الدكتور خالد أبو الليل والدكتور محمد شبانة في حفظ الأدب والموسيقى الشعبية، والدكتور محمد غنيم وحنكتهم الرصينه،والأستاذ وائل حسين في ضبط البوصلة التنظيمية،
إلا أن التوسع النوعي المحمود في المحاور جعل الأمر بحاجة ماسة إلى تطعيم اللجنة بمتخصصين في العلوم البينية.
فمناقشة ملفات مثل "الاقتصاد الدائري للحرف، والتحول الرقمي، وحقوق الملكية الفكرية"، كانت تقتضي إدماج خبراء في الذكاء الاصطناعي والإنسانيات الرقمية، وخبراء الملكية الفكرية ومستشاري القانون الدولي، ورواد الاقتصاد الأخضر والتسويق الثقافي؛ لضمان تحكيم علمي يواكب طموح الأبحاث، ويجعل من هذه المنصة أداة لا تكتفي بـ«صون» الماضي، بل تملك آليات «استثماره» في المستقبل.
منصة علمية تستحق أن تستمر.. نداء مخلص للجنة العلمية
لقد كان هذا المؤتمر بحق منصة مهمة وفاعلة ونافذة لعرض الأبحاث الجادة، وهذا أمر نتمنى تكراره على مدار العام. وهذا جهد مبذول من اللجنة العلمية ورؤساء الجلسات الذين أداروا المناقشات بمهنية وتحكيم علمي رصين، ساهم في ذلك كل من الدكتور سعيد المصري، والدكتورة هدى بشير، والدكتور مصطفى جاد، والدكتور محمد غنيم، وسعادة السفيرة سهى الجندي، وغيرهم من العمداء والدكاترة المتخصصين الذين كان كل تعليق وملاحظة منهم إضافة حقيقية للبحث.
ولكن من منطلق الحرص على الإنصاف والشمولية، فإننا نناشد المجلس الأعلى للثقافة وإدارة المؤتمر أن تتيح الفرصة بشكل أكبر لدعم كوادر وشباب الباحثين وطلاب الدراسات العليا بمختلف التخصصات، فهم يمتلكون أفكاراً بكراً وشغفاً لطرح أطروحات فريدة. وقد لوحظ تكرار أكثر من بحث يناقش نفس الفكرة في نفس الجلسة ولبعض أساتذة هيئة التدريس، وهو ما علق عليه أحد رؤساء الجلسات قائلاً: "أغلب الأبحاث أكاديمية جداً من الأساتذة، ونحن بحاجة أكثر لرؤى وأفكار باحثي الدراسات العليا". لذا نوصي بضرورة التنسيق لدعوتهم من مختلف التخصصات والمؤسسات التي تعمل على ملف التراث، لأن ذلك يثري التوصيات والمخرجات.
منارات التميز وحتمية التكاتف... نحو ميثاق جامع لصون الموروث
إن قيمة هذا المؤتمر لا تقاس بعدد الجلسات ولا بعدد الحضور، بل تقاس بما بعده. لقد أثبتت التجربة أن العمل المؤسسي المنفرد لا يكفي. فلا يمكن للمجلس وحده أن يحمي التراث، ولا للجامعة وحدها أن ترقمنه، ولا للجمعيات وحدها أن تسوقه.
إننا اليوم أمام ضرورة حتمية للتكاتف والعمل على أرض الواقع. يجب ألا يكون هذا المؤتمر مجرد بند في أجندة العمل لخطة العام، يتم تنفيذه وينتهي. بل يجب أن يكون خريطة عمل دائمة ومستمرة، تضع الرؤى وتعالج أي قصور وتتابع تنفيذ التوصيات شهراً بشهر.
لا يسعنا إلا أن نقف وقفة إجلال وتقدير للجهود الاستثنائية التي بذلتها اللجنة العلمية والجهات المنظمة، والتي حولت هذا المؤتمر إلى تظاهرة ثقافية فارقة ومنصة علمية تستحق الاستدامة.
وتوصيتنا النهائية والحاسمة التي نرفعها إلى المجلس الأعلى للثقافة هي تحويل هذا المؤتمر إلى مجلس دائم للتراث غير المادي يجتمع شهرياً، ببروتوكول ملزم بين كافة المؤسسات المعنية، لإنشاء حاضنة دائمة لمشروعات التراث الصغيرة، ومعمل رقمي دائم، ومنصة تمويلية لشباب الباحثين.
فالتراث لا يحفظ بالمؤتمرات، بل يحفظ بالقرارات التي تلي المؤتمرات، وقد حان الوقت لننتقل من مرحلة الحديث عن التراث إلى مرحلة العيش من التراث وبالتراث.