عاجل

تُمثّل القوانين والتشريعات في أي دولة مستقرة العصب الرئيسي للهيكل المؤسسي والسلم المجتمعي؛ فهي ليست مجرد ردود أفعال وقتية، بل هي رؤية استراتيجية تُرسخ لمفهوم "العدالة الناجزة" وتصون كرامة المواطن واستقرار الأسرة.
غير أن التحولات الرقمية المتسارعة فرضت واقعاً جديداً على كواليس صناعة القرار التشريعي والمجتمعي. إذ لم يعد الشارع الافتراضي مجرد منصة للتعبير عن الرأي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى ما يمكن تسميته بـ "محاكم السوشيال ميديا"؛ تلك التي يرتدي فيها رواد المنصات الرقمية عباءة القاضي والجلاد في آنٍ واحد.
في هذه المحاكم الافتراضية، يُصدر الحكم في دقائق، ويُنفذ التشهير في ثوانٍ، وتُختزل القضايا القانونية والإنسانية المعقدة إلى مجرد "تريند" استعراضي؛ حيث يتخيل البعض أن كل شخص يخرج ليعرض مشكلته على الشاشات، يجب أن "نُفصّل له قانوناً على مزاجه" 
أولاً: خطورة "التفصيل التشريعي" تحت ضغط التريند
إن تفاعل المؤسسات التشريعية مع القضايا الحية التي يثيرها المجتمع هو أمر محمود وضروري، فالقانون وُجد لخدمة الناس وليس للعيش في أبراج عاجية. ونحن نرى أمثلة واضحة للاستجابة التشريعية الرشيدة عندما يتم سد ثغرات إجرائية حقيقية، كما حدث في مكافحة صور الابتزاز الإلكتروني والتزييف العميق.
لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين تنزلق العملية التشريعية لنوع من "الشعبوية التشريعية"؛ فتُصاغ النصوص استجابةً لغضب لحظي أو انفعال جماهيري. فالقانون لا يُفصّل على مقاس الأفراد ولا يخضع لأهواء الشارع الرقمي، لأن التشريع الانفعالي غالباً ما يأتي مبتسراً، ويفتقر إلى دراسات الأثر المجتمعي، وقد يخلق تعارضاً مع قوانين مستقرة تجعله صِفراً على الشمال عند التطبيق العملي.
ثانياً: وهم "تغليظ العقوبة" والعدالة الإجرائية
في معظم "محاكم السوشيال ميديا"، يُطرح تغليظ العقوبة والإعدام المعنوي باعتبارهما الحل السحري الوحيد لأي أزمة أسرية أو مجتمعية. غير أن الفكر القانوني والسياسي المستنير يعلم جيداً أن الردع الحقيقي لا يتحقق بزيادة سنوات السجن في النصوص الصامتة، بل بحتمية وسرعة وتجريد تطبيق القانون.
إن رفع العقوبة لا يحل أزمة بطء التقاضي أو تعقد الإجراءات التنفيذية. العدالة الحقيقية تُبنى على سد الثغرات الإجرائية، توفير الحماية الآمنة للمتضررين، وحماية هيبة المؤسسات القضائية والتشريعية من وصاية القضاء الافتراضي.
ثالثاً: قضايا الأسرة وصناعة السلم المجتمعي
تظهر آثار هذه الظاهرة بوضوح في ملفات الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة؛ إذ تحاول بعض الأصوات تحويل التشريع الأسرى إلى ساحة " صراع بين الجنسين " تغذيها أليات الخوارزميات وصناع المحتوى لجمع "اللايكات ".
إن السياسة التشريعية الرشيدة يجب أن تتسامى فوق هذا الاستقطاب لتصوغ نصوصا متوازنة تضع" المصلحة الفضلى للطفل واستقرار الأسرة " فوق أى اعتبار وتستبدل منطق المغالبة بمنطق " التمكين والحماية والعدالة الناجزة ".
رابعا : نحو رؤية تشريعية و مجتمعية مستدامة
لتفادى تحكم محاكم السوشيال ميديا فى بوصلة القانون يجب علينا تبنى استراتيجية تتضمن : 
1. الإلتزام بدراسات الأثر التشريعى: ألا يطرح أى مشروع قانون أو تعديل إلا بعد دراسة ميدانية واقتصادية واجتماعية لقياس مداه وقابليته للتطبيق. 
2. تعزيز دور مراكز الفكر الحزبية والبحثية: صياغة أوراق السياسات التشريعية بناءا على قياسات عملية وحوارات مجتمعية هادئة بعيدة عن صخب المنصات. 
3. صناعة الوعى القانونى للمواطن: تبسيط الثقافة التشريعية ليعلم المواطن حقوقه الإجرائية اليومية مما يمنعه من الاندفاع خلف محاكم السوشيال ميديا والأبتزاز الرقمى.
ختاما.. إن القوانين هى المرأة التى تعكس نضج الأمم ورسوخ مؤسساتها وليست ثوبا يفصل بناءا على رغبة شاشة أو انفعال لحظة ومسئوليتنا الوطنية والسياسية تتطلب منا أن نكون دائما حائط الصد الذى يحمى رصانة القانون وحكمته لنقدم للمواطن تشريعات حقيقية عادلة وقابله للتطبيق تنعكس على أمنه واستقراره اليومي .

تم نسخ الرابط