عاجل

فرنسا وإيطاليا تحاولان إنقاذ جنوب لبنان بقوة أوروبية بديلة لليونيفيل

اليونيفيل
اليونيفيل

يقترب الجنوب اللبناني من مرحلة مفصلية مع اقتراب انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» نهاية ديسمبر/كانون الأول المقبل، وسط مؤشرات متزايدة على تعثر تمديد مهمتها، وعدم التوصل حتى الآن إلى صيغة دولية واضحة تضمن استمرار وجود قوة تتولى مراقبة الأوضاع الأمنية على الحدود الجنوبية.

ويأتي ذلك بعد أكثر من أربعة عقود على وجود القوات الدولية في لبنان، وفي ظل تباين المواقف بشأن مستقبلها؛ إذ تسعى فرنسا وإيطاليا إلى بلورة صيغة بديلة قد تقوم على نشر قوة متعددة الجنسيات ذات غالبية أوروبية، لتجنب نشوء فراغ أمني في الجنوب، بينما ترفض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المهمة بصيغتها الحالية، وتدفع باتجاه اعتماد آلية مباشرة للتواصل بين قيادتي الجيشين اللبناني والإسرائيلي بشأن أمن المنطقة.

وفي هذا السياق، تكثف باريس وروما تحركاتهما الدبلوماسية واتصالاتهما مع الأطراف المعنية، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو إلى العاصمة بيروت، لبحث مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل». وكانت روما قد قادت خلال المرحلة الماضية جولات من المباحثات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، في محاولة للتوصل إلى تفاهمات بشأن الترتيبات الأمنية.

هيمنة أمريكية وتراجع الدور الفرنسي

يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد جورج نادر أن الدور الفرنسي في لبنان تراجع بفعل الهيمنة الأمريكية على القرار الداخلي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، معتبرا أن حروب الإسناد التي خاضها حزب الله أسهمت في تهيئة الظروف لهذا التحول.

وأوضح نادر، في تصريحات لـ«إرم نيوز»، أن إيطاليا سعت إلى أداء دور توفيقي من خلال استضافة مباحثات مباشرة بين اللبنانيين والإسرائيليين في روما، بهدف التوصل إلى نتائج مقبولة للطرفين، غير أن هذه الجولات لم تحقق اختراقات جوهرية، لتصبح المباحثات شبه مجمدة.

وفي ظل تعثر المسار التفاوضي، برزت المبادرة الأوروبية الرامية إلى إيجاد بديل لقوات «اليونيفيل»، مع تزايد صعوبة تمديد ولايتها بسبب الموقف الأمريكي الرافض لاستمرارها، والذي قد يترجم إلى استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن، الجهة المخولة إصدار القرار المتعلق بولاية القوات الدولية.

وبحسب نادر، لا يزال الاتحاد الأوروبي متمسكا بضرورة تجنب ترك الجنوب اللبناني من دون غطاء أمني دولي، مع اهتمام خاص من فرنسا وإيطاليا بالتوصل إلى صيغة تتيح استمرار وجود قوة مراقبة، سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو من خلال تشكيل أوروبي مختلط متعدد الجنسيات.

وأشار إلى أن الهدف من هذه الترتيبات يتمثل في توفير ضمانات للبنان في مواجهة استمرار الاحتلال الإسرائيلي، بالتوازي مع تشجيع الدولة اللبنانية على مواصلة نشر الجيش في الجنوب وتعزيز سيطرتها على المنطقة.

لكن الخبير العسكري اعتبر أن تحديد طبيعة القوة البديلة وصلاحياتها وشرعيتها القانونية، وما إذا كانت ستعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، يمثل معضلة رئيسية، لا سيما في ظل ضرورة الحصول على موافقة الولايات المتحدة وقبول إسرائيل بالترتيبات المقترحة.

وأوضح أن إسرائيل لا ترغب في وجود قوة أممية شبيهة بـ«اليونيفيل»، وتفضل إقامة تنسيق مباشر مع الجيش اللبناني بشأن أمن الجنوب، وهو طرح قال إنه يصعب تطبيقه عمليا قبل انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة.

وتوقع نادر أن تتبلور ملامح الترتيبات خلال الأيام المقبلة، مع احتمال الاستقرار على صيغة لقوة أممية متعددة الجنسيات تحل محل «اليونيفيل»، مشيرا إلى أن المشهد قد يتضح بصورة أكبر بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.

وأضاف أن الحكومة اللبنانية تتمسك باستمرار «اليونيفيل»، أو على الأقل بوجود قوة بديلة تتمتع بشرعية دولية، بما يوفر غطاء أمنيا وسياسيا للدولة، خصوصا أن لبنان يمثل الطرف الأضعف في الأزمة الحالية.

اجتماع عسكري لبناني إسرائيلي في فلوريدا

وتتزامن التحركات المتعلقة بمستقبل «اليونيفيل» مع استعداد واشنطن لعقد اجتماع يضم عسكريين لبنانيين وإسرائيليين خلال الفترة من 20 إلى 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في مقر القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» بولاية فلوريدا.

ويتضمن جدول أعمال الاجتماع حسم الخلاف بشأن تشكيل آلية للتحقق من انتشار الجيش اللبناني وتحديد دورها في المرحلة التي تلي الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من الجنوب، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات بشأن إنشاء «مناطق تجريبية» جديدة وتثبيت وقف إطلاق النار.

ويكتسب الاجتماع أهمية في ظل تداخل مسارين متوازيين: الأول يتعلق بترتيبات وقف إطلاق النار وآليات التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية، والثاني بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب، في وقت لم تتفق فيه الأطراف المعنية بعد على الجهة التي ستتولى مراقبة الوضع الميداني بعد انتهاء ولاية القوات الحالية.

«مأزق كبير» أمام لبنان

من جانبه، وصف الباحث السياسي اللبناني نايف عازار انتهاء ولاية «اليونيفيل» أواخر العام الجاري بأنه يشكل مأزقا كبيرا للبنان، نظرا إلى أن القوة الدولية كانت توفر غطاء أمميا لبيروت، فضلا عن توثيقها الخروقات الإسرائيلية، بما ينتج عنه سجلات ووثائق رسمية يمكن للدولة اللبنانية الاستناد إليها.

وأضاف عازار، في تصريحات لـ«إرم نيوز»، أن «اليونيفيل» لم تنجح خلال فترة عملها في رد الاعتداءات الإسرائيلية أو منع تطور الترسانة العسكرية لحزب الله، لكنه شدد على أن انتهاء مهمتها يثير تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى رصد الخروقات وتوثيقها ومتابعة التطورات الأمنية في الجنوب.

ولفت إلى وجود قوة أوروبية تضم نحو 200 عنصر في لبنان، لكنها لن تنتشر في الجنوب، إذ ستقتصر مهامها على تدريب الجيش اللبناني والقوى الأمنية، ما يعني أنها لن تكون بديلا مباشرا لـ«اليونيفيل» ولن تملأ الفراغ المتوقع بعد انتهاء ولايتها.

وأوضح أن فرنسا وإيطاليا تقودان محاولات للتوصل إلى صيغة جديدة تحل محل القوات الدولية، أو لإعادة النظر في صلاحيات القوة الحالية، إلا أن اعتماد أي من الخيارين يتطلب موافقة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وبحسب عازار، تسعى المبادرة الفرنسية الإيطالية إلى منع ترك الجنوب اللبناني من دون وجود دولي يراقب الوضع الأمني، في حين يقوم الطرح الأمريكي على تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة في المنطقة، ونزع الترسانة العسكرية لحزب الله، بحيث تصبح الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن وحيازة السلاح.

وأشار إلى أن قبول إسرائيل بوجود قوة مشابهة لـ«اليونيفيل» يبدو مستبعدا، في ضوء اعتراضاتها على أداء القوة خلال السنوات الماضية، واعتقادها بأن حزب الله تمكن من بناء ترسانته العسكرية رغم وجودها، فضلا عن اتهامات إسرائيلية بإطلاق صواريخ خلال الحرب من مواقع تبعد نحو 100 متر عن مواقع القوات الدولية.

وتعكس هذه الخلافات تباينا جوهريا بشأن طبيعة الدور المطلوب من أي قوة مستقبلية؛ فبينما تريد فرنسا وإيطاليا الإبقاء على آلية رقابة دولية توفر ضمانات للبنان، تركز واشنطن وتل أبيب على تمكين الجيش اللبناني من تولي المسؤولية الأمنية المباشرة، بما يشمل التعامل مع سلاح حزب الله.

خيارات محدودة مع اقتراب نهاية العام

وأكد عازار أن مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب لا يزال غير واضح، في ظل استمرار المشاورات وضيق الوقت المتبقي حتى نهاية العام، مرجحا إمكانية البحث عن صيغة تجمع بين المقترح الفرنسي الإيطالي والطرح الأمريكي الذي يتقاطع مع المطالب الإسرائيلية.

واعتبر أن تمديد ولاية «اليونيفيل» أصبح مستبعدا، مشيرا إلى أنه حتى في حال استمرار وجودها، فمن غير المرجح أن تبقى بالصيغة نفسها، ما يفتح الباب أمام احتمال تشكيل قوة بديلة بصلاحيات محددة، أو انتهاء المهمة من دون التوصل إلى ترتيب دولي يحل محلها.

وفي حال تعذر الاتفاق على قوة بديلة، حذر عازار من احتمال ترك الجنوب اللبناني في حالة فراغ أمني، مشددا على أن الحل الأساسي يكمن في تسلم الدولة اللبنانية زمام الأمور في المنطقة، وتعزيز قدرة الجيش على بسط سلطته.

تم نسخ الرابط