تصاعد الانشقاقات يهدد تماسك قوات الدعم السريع في السودان
تشهد قوات الدعم السريع تصاعدا ملحوظا في عمليات الاعتقال والإخفاء القسري داخل صفوفها، في تطورات طالت عشرات القادة الميدانيين والضباط العسكريين والسياسيين والإعلاميين ورؤساء الإدارات المدنية في ثلاث ولايات بإقليم دارفور السوداني.
وجاءت هذه الإجراءات في ظل تصاعد الاتهامات بالخيانة وتحميل بعض القيادات مسؤولية الخسائر الأخيرة التي تكبدتها القوات في جبهات القتال بولايتي كردفان ودارفور، بالتزامن مع تعثر حملات الحشد القبلي التي تستهدف تعويض النقص في أعداد المقاتلين.
وواجهت حملات التجنيد التي يقودها عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، عقبات كبيرة، في ظل معارضة من زعماء قبليين وعسكريين يشكون من التمييز في توزيع النفوذ وعدم التكافؤ في تحمل أعباء المعارك.
وتتزامن هذه التطورات مع عودة الجدل حول إعلان تحالف «تأسيس» تشكيل حكومة موازية في يوليو 2025، وهي خطوة حملت أبعادا سياسية وعسكرية متعددة. فمن جهة، سعى التحالف إلى إرساء ما يصفه بالشرعية السياسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع في دارفور، وتوفير غطاء مدني للتعامل مع المجتمع الدولي والدفاع عن القوات، بينما أسهمت هذه الخطوة، من جهة أخرى، في تقليص دور بعض القيادات العسكرية.
وفي إحدى الوقائع، قُتل عدد من الزعماء القبليين المحليين، بينهم عُمد وشيوخ في مدينة كبكابية، بعد رفضهم حشد أفراد قبائلهم للانضمام إلى حملة التجنيد الأخيرة التي أطلقتها قوات الدعم السريع.
كما تواترت أنباء عن اختفاء عدد من الشخصيات المؤثرة داخل القوات وإبعادها، من بينهم عمر جبريل والجواني ومحمد الفاتح يأجوج والفاتح قرشي، إلى جانب شخصيات أخرى.
وتندرج هذه الإجراءات، بحسب ما جرى تداوله، ضمن ما تصفه قيادة الدعم السريع بـ«الترتيبات الداخلية» الرامية إلى إحباط ما تسميه «مؤامرات الطابور الخامس». وجاءت هذه التحركات عقب خطاب ألقاه قائد القوات محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، في وقت تواجه فيه القوات انتكاسات ميدانية، من بينها تدمير قافلة إمداد كانت قادمة من ليبيا.
موجات متلاحقة من الاعتقالات
كشف الفاتح دودو، وهو قائد في الوحدة 264 التابعة لقوات الدعم السريع، أن أكثر من 750 مقاتلا من قبيلته الفور، المنضمين إلى القوات، محتجزون داخل سجن دقريس بمدينة نيالا، وهو مرفق يخضع لحراسة مشددة من جانب الدعم السريع.
ورغم تشكيل لجنة خاصة والإفراج عن 70 معتقلا بعد عام من احتجازهم، لا يزال عدد كبير من المقاتلين رهن التوقيف، فيما تشير تقارير إلى أن بعضهم يعانون أوضاعا صحية حرجة.
وفي مطلع أغسطس الماضي، انطلقت موجة جديدة من الاعتقالات استهدفت رؤساء الإدارات المدنية في ولايات جنوب دارفور وشرق دارفور ووسط دارفور.
وفي زالنجي، عاصمة ولاية وسط دارفور، خرج المئات من أبناء قبيلة بني هلبة إلى الشوارع في احتجاجات تنديدا باعتقال زعيم القبيلة.
وتتولى الإدارات المدنية مهام متعددة تشمل تنظيم الأسواق، وتحصيل الإيرادات، وإدارة الأراضي والمرافق العامة، إلى جانب تقديم الخدمات للسكان. وتتراوح الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين المعتقلين بين التواطؤ مع الجيش السوداني وارتكاب مخالفات إدارية ومالية.
اتهامات بالفساد والتجسس داخل القوات
وخلال حملة اعتقالات شهدتها نيالا في أكتوبر الجاري، أوقفت الشرطة العسكرية ستة ضباط من قادة الدعم السريع.
ووجهت إلى ثلاثة منهم اتهامات تتعلق باختلاس أموال من بورصة نيالا والاستيلاء على إمدادات عسكرية، من بينها مركبات قتالية. أما الضباط الثلاثة الآخرون، فاتهموا بالتواطؤ مع الجيش السوداني وتسريب معلومات تتعلق بمواقع حساسة، علما بأنهم سبق أن خدموا في صفوف الجيش قبل انضمامهم إلى الدعم السريع.
ولم تقتصر الاعتقالات على الضباط، إذ طالت أيضا قادة ميدانيين على خلفية نزاعات داخلية أو اتهامات تتعلق بعدم الانضباط العسكري وسوء إدارة الموارد.
ومن بين الشخصيات البارزة التي احتجزت ثم أفرج عنها لاحقا أو أعيدت إلى الخدمة، اللواء عصام فضيل، الذي تشير تقارير إلى اعتقاله في عام 2025 وسط صراعات داخلية، قبل أن تظهر لاحقا تقارير بشأن تطورات وضعه.
اختفاء شخصيات سياسية وقيود على التحركات
وامتدت تداعيات الصراعات الداخلية إلى الجانب السياسي، إذ اختفى علاء الدين نقد، وزير الصحة في تحالف «تأسيس»، بمدينة نيالا خلال أكتوبر الجاري، فيما حملت أسرته قيادة الدعم السريع المسؤولية عن سلامته، وسط اتهامات بوجود خلافات داخلية.
كذلك، وُجهت اتهامات إلى قوات الدعم السريع باحتجاز يوسف عزت، المستشار السياسي السابق لحميدتي، بينما تحدثت أنباء غير مؤكدة عن وفاته داخل سجن دقريس.
وفي سياق متصل، أفادت تقارير بأن جهاز الاستخبارات التابع للقوات فرض قيودا على التحركات الميدانية، في خطوة تعكس تصاعد الإجراءات الأمنية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها.
صراعات النفوذ تهدد التماسك العسكري والقبلي
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه قوات الدعم السريع تحديات متزايدة على المستويين العسكري والاجتماعي، مع استمرار الخسائر الميدانية وتراجع قدرة حملات التجنيد على توفير الأعداد المطلوبة من المقاتلين.
كما تكشف الخلافات بشأن توزيع النفوذ وأعباء القتال عن توترات داخل البنية القبلية والعسكرية التي اعتمدت عليها القوات منذ اندلاع الحرب في السودان.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى احتمال اتساع الانقسامات داخل هذه البنية، لا سيما في ظل موجة الانشقاقات التي طالت صفوف القوات. ويتمتع بعض القادة المنشقين بثقل قبلي داخل عشيرة المحاميد التابعة لقبيلة الرزيقات، التي تمثل إحدى القواعد الاجتماعية الرئيسية الداعمة للدعم السريع في دارفور.
وبين الاعتقالات والاتهامات المتبادلة والتوترات القبلية، تواجه قيادة الدعم السريع تحديا يتمثل في الحفاظ على تماسك صفوفها، في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية والسياسية على مناطق نفوذها في دارفور وكردفان.



