عاجل

أصدر تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بشأن "المخاطر على المدنيين في السودان"، تقدم الجانب المصري علي أنه يستهدف المدنيين، و كأنه تعمد بشكل عشوائي، و ليس بإغلاق ثغرة أمنية وصناعية خطيرة داخل نطاق الأمن القومي المصري، وهي الثغرة التي كانت تُستغل من قبل جماعات مسلحة ومنظمات إرهابية، و حمل في طياته إتهامات تضليليه ،فإن تحذيرات أوتشا تبدو وكأنها محاولة لإلقاء اللوم على دولة تقوم بحماية أمنها الوطني من تهديدات إرهابية واقتصادية حقيقية، بأستخدام كغطاء سياسي لصالح أطراف إقليمية تريد إلقاء اللوم على مصر التي تقوم بحماية حدودها ومواردها.

إن الوقائع المثارة بشأن المواقع محل الجدل لتحقيق فني وقانوني مستقل، يستند إلى الأدلة الجغرافية والبيانات الميدانية الموثقة، بعيدًا عن الروايات الإعلامية و التي يجري توظيفها سياسيا، وتمرير مغالطات واستنتاجات غير دقيقة، نري أنها تتعارض مع مقتضيات الموضوعية والحياد الواجب توافرهما في التقارير الأممية، بما جاء فيه مخالف أساس الأدلة الموثقة والقواعد الحاكمة للقانون الدولي، وما أُثير من ادعاءات بشأن استهداف مواقع يُقال إنها تقع داخل الأراضي السودانية، دون التحقق من مواقعها الفعلية وطبيعة الأنشطة التي كانت تُمارس فيها، قبل إصدار أحكام نهائية بشأن المسؤولية عن الوقائع محل البحث، أو تحديد المواقع الجغرافية أساسٌ لأي تقييم موضوعي، إن خطورة التقرير في مدى استيفاء الأسس التي بُني عليها لأي تقييم حقوقي ومهني سليم، و كأنها تُكسب المعلومات الواردة فيه حجية مطلقة، وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق النزاع بمناطق حدودية تتداخل فيها الاعتبارات الجغرافية والأمنية والاقتصادية، بما يجعل التحقق المكاني الدقيق شرطا جوهريا قبل توصيفها قانونيا.
و تشير المعلومات محل البحث إلى أن المواقع التي أُثير الجدل بشأنها تشمل جبل إيقات، الواقع في المنطقة الحدودية بين مصر والسودان، ومنطقة حنجلية بالقرب من مرسى علم، وأنها تقع، وفقًا للادعاءات الواردة، داخل الأراضي المصرية وفي نطاق مثلث حلايب وشلاتين، وعلى مسافة تُقدّر بنحو عشرة كيلومترات تقريبًا من خط الحدود، وسط تضارب في أعداد الضحايا ونسبة المسؤولية، فلم تُحسم بأدلة مستقلة في المعلومات التي استعرضها. وهذا يجعل التحقق من مكان الضربة، وتوقيت وقوعها، والجهة المنفذة، عناصر جوهرية قبل تبني استنتاج نهائي، يطرح تساؤلات، فهل يقدّم التقرير توثيقًا للواقعة، أم يكتفي بنقل معلومات وتحذيرات إنسانية لا تحسم الموقع الدقيق أو الجهة المسؤولة؟

وتستند هذه المعلومات إلى صور وبيانات أقمار صناعية منسوبة إلى منظومة «كوبرنيكوس»، جرى توثيقها، فهي إحداثيات جغرافية منقوصه و كان ينبغي التدقيق في الصور الأصلية وتواريخ التقاطها، حيث تمثل خطوة أساسية لتحديد الموقع الدقيق للمنشآت محل الجدل، والفصل في الادعاءات المتعلقة بوقوع استهداف داخل الأراضي السودانية، وإذا أثبت الفحص الفني المستقل أن المواقع المعنية تقع داخل الأراضي المصرية، فإن ذلك يستوجب إعادة تقييم الروايات التي تتحدث عن استهداف مواقع مدنية داخل السودان، في ضوء النتائج الجغرافية الموثقة، دون استباق نتائج التحقيق أو تجاهل أي أدلة أخرى ذات صلة، مما يؤكد أن التقرير موجه في أتجاه واحد فقط متجاهلا شبهات التعدين غير المرخص و مافيا تهريب الذهب ، و العمال المزعومه هم أكبر مصدر رئيسي لتمويل الجماعات المسلحة في السودان ،و وفقًا للمعلومات المطروحة بشأن المواقع المشار إليها، فإنها تضم مناجم ذهب عشوائية وغير مرخصة، يقوموا بأستغلالها في عمليات تهريب منظم للذهب ونقل الموارد الوطنية خارج القنوات القانونية، كما تتضمن المعلومات دخول عمال غير مصريين إلى تلك المواقع دون تصاريح رسمية أو وثائق سفر نظامية، وخروجهم بالطريقة ذاتها، بما يثير تساؤلات تتعلق بالرقابة الحدودية، ومشروعية أنشطة التعدين، وحماية الثروات المعدنية، و كيفيه تسليحهم والجهات القائمة عليها و التمويل، ومدى ارتباطها بأي مخالفات اقتصادية أو اختراقات أمنية.

فإن مكافحة التعدين غير المرخص والتهريب، وحماية الموارد الوطنية، وإحكام الرقابة على الحدود، تمثل مسائل مشروعة تستوجب المعالجة القانونية، دون أن نتخطي الحماية، فإن حماية السيادة الإقليمية والأمنية القومي والموارد الوطنية من المسؤوليات الأساسية للدولة، وأن من حقها اتخاذ التدابير التي يجيزها القانون لمواجهة التهريب والأنشطة غير المشروعة وتأمين حدودها، وإذا كانت المعلومات المتاحة لا تسمح بحسم الموقع أو طبيعة النشاط أو ظروف الواقعة، فإن المنهج المهني يقتضي الإفصاح عن هذا القصور، لا تجاوزه باستنتاجات تتخطى ما تسمح به الأدلة.

وفي هذا السياق، فإن الموقف المطروح في المعلومات محل الرد يتمثل في أن ما جرى التعامل معه كان، مرتبطًا بثغرة أمنية واقتصادية داخل نطاق السيادة المصرية، وليس باستهداف مدنيين عاديين، و في الوقت ذاته أن تحديد مشروعية أي إجراء بعينه يتطلب التحقق من الوقائع والوسائل المستخدمة والآثار المترتبة عليه، وفقًا للقواعد القانونية الواجبة التطبيق، وأن وجود نشاط غير مرخص في موقع يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط الحماية القانونية عن الأشخاص الموجودين فيه، فإن التقييم المنصف لهذه الوقائع يقتضي الجمع بين احترام سيادة الدول، وحقها في حماية أمنها ومواردها، و ليس المساءلة عن أي انتهاكات لم تثبت بالأدلة، مع ضرورة مراجعة التقييمات الأممية وتجنب الاستنتاجات المسبقة، فكان يجب بمراجعة الأسس الواقعية والفنية التي استندت إليها التحذيرات الواردة في التقرير بشأن المخاطر على المدنيين، والتحقق من مدى اكتمال المعلومات المتعلقة بالمواقع محل الجدل وموقعها وطبيعتها، فأي تقييم أممي كان ينبغي أن يستند إلى مصادر قابلة للفحص، وأن يميز بوضوح بين الوقائع المثبتة والادعاءات المتداولة، مع إتاحة المجال للتحقق المستقل من الأدلة الجغرافية والميدانية، و لذلك تؤدي المعلومات غير المكتملة أو التغطيات الإعلامية غير الدقيقة إلى تكوين صورة غير متوازنة عن الأحداث، و مدى اتساق الاهتمام الدولي بالمخاطر على المدنيين مع ضرورة التحقيق في الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى الجماعات المسلحة في السودان واليمن، و التركيز علي هذه الملفات عند تناول الأزمات الإقليمية، بدلا من الانتقائية، مع التمييز بين المطالبة بالتحقيق في جرائم الأطراف المختلفة وبين استخدام انتهاكات طرف لتبرير أفعال طرف آخر.
فأحترام حق مصر في حماية سيادتها وأمنها القومي وحدودها ومواردها الوطنية، في إطار القانون الوطني والقانون الدولي المنطبق، ليس رفاهيه و التحقيق الجاد في الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى الجماعات المسلحة في السودان، وفحص الأدلة المتعلقة بها واتخاذ الإجراءات المناسبة وفقًا للقانون و مراجعة الأسس التي استند إليها التقرير، وتوضيح مصادر المعلومات وحدود التحقق منها، وتصحيح أي استنتاجات يثبت تعارضها مع الأدلة الموثوقة، كان يجب التركيز عليها، مع ضمان عدم استخدام النزاعات الإقليمية أو الخلافات السياسية لتشويه صورة الدول دون أدلة قابلة للتحقق، و تبني موقف مهني ومحايد، يضمن عدم بناء الاتهامات على روايات غير مكتملة، ويكفل التحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى مختلف الأطراف، بعيدًا عن التسييس أو ازدواجية المعايير أو الأحكام المسبقة، و مصر ليست الجاني هنا، ولا يجوز أن يستخدم أوتشا كغطاء سياسي لتشويه صورة دولة تقوم بحماية أمنها القومي

تم نسخ الرابط