«لَنا قومٌ لو أسقيناهم العسلَ المُصَفَّى ما ازدادوا فينا إلا بُغضًا، ولنا قومٌ لو قطَّعناهم إربًا ما ازدادوا فينا إلا حُبًّا».
هذه الحكمة، المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، تعبّر عن أمر نراه في العلاقات الإنسانية: الإحسان لا يجعل الجميع يحبوننا، كما أن الأزمات لا تُنهي كل علاقة. فقد يساعد الإنسان غيره، لكن موقفه منه لا يتغير. وقد يمرّ شخص بظروف صعبة، فيزداد تمسكه بمن يحب.
ولا يرتبط الأمر دائمًا بحجم المساعدة أو شدة الظروف، بل بطبيعة العلاقة نفسها. فهناك علاقات تقوم على المصلحة، وأخرى تقوم على الثقة والاقتناع والوفاء.
حين يُقابَل المعروف بالشك
في العلاقات التي تقوم على المنفعة، يهتم كل طرف بما سيحصل عليه من الطرف الآخر. فإذا انتهت المصلحة، ضعفت العلاقة، وقد يتحول المعروف السابق إلى سبب للعتاب أو الجحود.
أما العلاقة التي تقوم على تقدير الشخص واحترام أفكاره، فتكون أكثر قدرة على الاستمرار رغم تغير الظروف.
وقد يتلقى الإنسان مساعدة من شخص لا يرتاح إليه، فيشك في نيته بدل أن يراها عملًا حسنًا. ويمكن تفسير ذلك بما يعرف في علم النفس بـ«التحيز التأكيدي»، أي أن الإنسان يميل إلى تفسير الأمور بطريقة توافق رأيه السابق.
لكن رفض شخص لمساعدتنا لا يعني بالضرورة أنه حاقد، كما أن اختلافه معنا لا يعني أنه يسيء الظن بنا. فقد يكون لديه سبب واضح لموقفه، وقد نكون نحن بحاجة إلى مراجعة تصرفاتنا. لذلك لا يصح أن نستخدم الحكمة لتبرئة أنفسنا واتهام الآخرين من غير دليل.
المحبة وقت الشدة
تتحدث الحكمة أيضًا عن محبة لا تقوم على الراحة أو المصلحة المباشرة. فقد يتحمل الإنسان المشقة من أجل شخص يحبه، لأن علاقته به تقوم على الثقة والاقتناع، أو لأنه يرى أن الوفاء يستحق بعض التضحية.
وهذا المعنى قريب من قوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
فالآية تتحدث عن الإيثار؛ أي أن يقدّم الإنسان غيره على نفسه رغم حاجته. لكن الوفاء لا يعني أن يتخلى الإنسان عن عقله، أو أن يستمر في علاقة تؤذيه حتى يثبت حبه. فالصبر على الظروف الصعبة يختلف عن قبول الظلم المتكرر.
وفي التصوف، لا تُقاس المحبة بالكلام أو بالانتساب، بل بما يظهر منها في سلوك الإنسان. فمحبة الله تظهر في تهذيب النفس، ومحبة الرسول ﷺ تظهر في الاقتداء بأخلاقه، ومحبة أهل بيته تظهر في العدل والرحمة والوفاء وحفظ حقوق الناس.
ومن هنا، لا ينبغي أن يربط الإنسان قيمته بقدرته على كسب محبة الجميع. فهو لا يستطيع التحكم في مشاعر الناس، لكنه يستطيع التحكم في نيته وتصرفاته وطريقة تعامله مع من يختلف معه.
قال تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
توضح الآية أن التعامل الحسن قد يساعد على تهدئة العداوة وتحسين العلاقة، لكنها لا تعني أن كل خلاف سينتهي بالمحبة. فالإحسان محاولة للإصلاح، وليس وعدًا بأن يتغير الطرف الآخر.
قد ينجح التعامل الطيب في تخفيف غضب شخص ما، وقد لا يغير موقفه. وفي الحالتين، يبقى المطلوب من الإنسان أن يكون عادلًا، وألا يرد الإساءة لمجرد الانتقام.
ماذا نتعلم من الحكمة؟
نتعلم أن الإحسان لا يضمن محبة الناس، وأن المحبة الحقيقية تظهر في المواقف الصعبة، لا في أوقات الراحة فقط. كما نتعلم ألا نفسر كل رفض على أنه كراهية، وألا نبرر كل تصرف باسم الوفاء.
المهم أن نحسن من غير انتظار مقابل، ونراجع أخطاءنا بصدق، ونحافظ على كرامتنا في علاقاتنا. وليس مطلوبًا أن يحبنا الجميع؛ يكفي أن نتصرف بإنصاف، وأن نصلح ما نستطيع إصلاحه، وأن نبتعد عن العلاقة المؤذية من غير ظلم أو انتقام.
ماذا نتعلَّم من الحكمة؟
إذا قرأنا العبارة في سياقها الأخلاقي، وجدناها تذكيرًا بأنَّ العلاقات لا تُدار بالعطاء وحده، وأنَّ المحبة ليست معادلةً حسابية يمكن ضمان نتيجتها. فلا ينبغي أن يتحوَّل الإحسان إلى وسيلةٍ لشراء رضا الناس، كما لا ينبغي أن تصبح المحبة ذريعةً للتعصُّب أو تبرير الأخطاء.
والأهم ألَّا نستخدم هذه الحكمة لتقسيم الناس إلى محبٍّ مخلصٍ وخصمٍ حاقد؛ فالحكم على النيات ليس أمرًا متاحًا لنا على إطلاقه. قد نخطئ في حقِّ غيرنا ونحن نظنُّ أننا نحسن، وقد نرفض نصيحةً صادقة لأنَّها لا توافق رغباتنا.
إنَّ الدرس الأعمق هو أن نفعل الخير من غير أن نجعله ثمنًا للمحبة، وأن نحفظ الوفاء من غير أن نحوِّله إلى استسلام، وأن نراجع أنفسنا من غير أن نستمدَّ قيمتنا من رضا الآخرين.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يكسب كلَّ القلوب، وإنما أن يحسن ما استطاع، وينصف مَن خالفه، ويعرف متى يصلح، ومتى يضع حدًّا للعلاقة، من غير أن يسمح للخصومة بأن تفسد أخلاقه.